الصفحة 43 من 58

وسار القطار.. وأنزويت في مكاني أفكر في كلمات أبي.. كان قبلًا يدللني بكلمات رقيقة، كان يجعلني دائمًا لا أرى في وجودي إلا معنى سعي لا مبالٍ انطلق فيه متواكلًا، كنت أتوقع أن يعانقني ويقبلني بحنان ويبكي ويقول: حاول أن تعود نفسك على حياة الجندية يا ولدي.. إنها حياة قاسية ولكنها ستنتهي..

لكنه لم يفعل شيئًا من هذا.. لقد قال كلماته تلك وربّت كتفي بهمة شاب معتد بقوته..

شعرت باعتزاز كبير.. شعرت بدماء حارة تتدفق في عروقي ورأسي، وبقلبي يكبر ويكبر حتى خيّل إلي لحظتها أن في وسعي أن أوقف القطار بسبابة يدي.

في المعسكر.. قالوا في الأيام الأولى انني جندي جبان.. إهانة قاسية كأنها ضربة مطرقة هائلة ارتج لها كياني، وزاغت عيناي فبدت امامهما الرؤى باهتة مهزوزة.. وانزويت في (البلوكوس) افتش عن الجبن في ذاتي، فلا اجد له ظلًا سوى انطوائي على نفسي، واجتراري ذكريات المدينة، وصور التجهيز، والمقهى، وخمارة أبي إبراهيم، وشلة الرفاق، وعيني هالة الآسرتين..

ووجدتني حبيس ذاتي.. حبيس هذه الذكريات التي ما تنفك تسلب إرادتي فإذا أنا أدور معها.. وادور.. وأدور.. جندي جبان!!.

كنت لم أخض معركة بعد.. ولم يعجم عود شجاعتي، فلماذا الإهانة؟ حاولت جاهدًا أن أقنع رفاقي بأنني لست جبانًا، وأن تهمتهم باطلة، ولكني عبثًا كنت أحاول.. وأدركت الفرق بين حياتي في المدينة وحياتي في الخطوط الأمامية..

في المدينة كنت أرد بتزييف الحقائق.. باجتراح موهوم ابديه بانتقال امام الكاذبين والحا سدين، فيصدقني الناس.. أمي كانت تفعل هذا.. كانت تقول لجارتنا أم سهيلة عندما تسألها كم تقدر لها من العمر: لا أظنك تتجاوزيين الثلاثين... فتشيع ابتسامة رضى عريضة على وجه أم سهيلة طيلة الجلسة، حتى إذا انصرفت، وثرت على مراءاة امي، ربتت خدي بيدها وهي تقول: أنت لا تعرف الحياة بعد.. يجب أن تساير الناس حتى تستطيع أن تعيش بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت