الصفحة 44 من 58

وأظل في انطوائي، أحتل ركنًا منزويًا في البلوكوس وأنا سادر مع ذكرياتي في المدينة، أجترها مع جرعات الشاي الأسود الثقيل، ولعنة الكلمة (جبان) تصطرع في نفسي بعنف وأنا أنظر إلى وجوه رفاقي: سعيد، وعايش، وسمعان، وسلمان القصير ذي السحنة الصفراء والأسنان الكبيرة وهو يضج في المكان..

كم كرهت هؤلاء في اول عهدي بالمعسكر.. شعرت بخيوط النقمة تتدافع من كياني ليلتف كل منها على واحد منهم، وكان الخيط الذي يلتف حول سلمان أغلظ الخيوط، واشدها قسوة، وأقدر على عصر رقبته.

-. جبان.. جبان..

وصحت به: لماذا يا سلمان.. لماذا تهينني؟

-. جبان.. جبان.. جبان...

لم اكن أتصور أن لكفي كل هذه القوة إلا عندما رأيته يتداعى على نفسه ويسقط.. ولولا أن أنقذه مني العريف ناصر في اللحظة الأخيرة لاجهزت عليه..

قال الملازم عدنان آمر السرية: لماذا ضربت رفيقك؟.

_. قلت لك لماذا ضربته؟.

-. لأنه أهانني..

-. ماذا قال لك؟.

-. قال انني جبان

-. ولكنك أخطأت في تصرفك.. سأرفع تقريرًابسجنك ثلاثة أيام مع طلب الزيادة، وحاول أن تكون ملتزمًا مثل رفاقك.. انت تتهرب من التدريب، وتتمارض، ولا تحاول أن تتسلق التل معهم، وتدعي دائمًا أن حذاءك غير مريح، وتلح في طلب الإجازات لزيارة اهلك.. هذه الأمور كلها، وأن كانت لا تدل على الجبن الحقيقي إلا أنها ليست من صفات الجندي.. هل فهمت؟. اذهب الآن وحاول ألا تثبت لي ما ينعتك به رفاقك...

وأصبحت بطلًا..

قال لي كل من في القطاع: (( أنت بطل ) ).. كان اولهم سليمان.. وعبثًا حاولت أن أقنع رؤسائي ورفاقي بأنني لست بطلًا، وبأن ما قمت به يستطيع أن يفعله أي واحد منهم.. لقد أسكتوني غير مقتنعين.. وقال الملازم عدنان وأكد على ذلك النقيب شوكت: لا شك أن كل اخوانك الجنود بواسل شجعان، ولكن للبطولة معنى مختلفًا في الميدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت