فهرس الكتاب
كان آمر السرية قد قال لنا في اجتماع مفاجئ: امامنا عمل خطير يجب أن يتم.. يجب أن يتطوع احدكم لنسف الجسر..
(( كان الجسر عقدة مواصلات العدو في القطاع ) )..
وفي صباح اليوم التالي كان خبر تسللي إلى مواقع العدو ونسفي الجسر حديث الخطوط على طولها..
وأصبحت سعيدًا.. كدت أبكي من فرحي عندما أثنى علي قائد الفوج وقرأ على الجنود ثناء القيادة أيضًا..
وبعدها تكامل ايماني بالقيم الحقة، وكفرت بفلسفة أمي، وأم سهيلة، وألف ألف واحدة من امثالهما.. الحقيقة وحدها أقنعتني بأنها فوق التهم الباطلة..
إني أختنق..
كنت آنذاك أكثر سعادة، وفي عروقي كنت أستشعر استمرارًا حارًا لتوثب دافق، كنت أشعر بنفسي أكاد الأمس حدود المطلق من السعادة عندما أتمدد بثياب الميدان على العشب، وجهي إلى الأرض، أمرغه في قطرات الندى الباردة اللامعة على السوق الصغيرة، وذهني صافٍ خالٍ من خواطر المدينة التي عدت أحياها اليوم واقعًا متعبًا يجعلها تتسلق جبهتي بضنك، ثم تتساقط كالعقارب
مدينتي كلها، العجوز الفاتنة.. أصبحت امامي عجوزًا مريضة، وأنوارها التي كانت تبهرني في الأمسيات الدافئة، أصبحت بدورها كومة من عيون عفاريت وقحة تتراقص بجنون فوق الواجهات، أو تجثم ببلادة على أعمدة طويلة. وشلة الأصدقاء.. ندماء المدرسة والمقهى والتسكع.. أصبحت أمقتها.. أصبحت غريبًا بين أفرادها.. بدأت احس بسكاكين تمزقني في قهقهاتهم الجوفاء وهي تنفجر في وجهي حمقاء بلا رجولة، كلهم بدوا أمامي ضائعين في ثيابهم وفي أشيائهم الأخرى الصغيرة..
لماذا يضيعون عن الحقيقة؟. لماذا لا يتخلون عن فلسفة أمي وأم سهيلة؟.
يقول (نعيم) وهو الذي كان يفاضل لمدة ساعة بين أنواع الدخان الأجنبي: إسمع يا بطل.. لولا أن أبي دفع لي بدل الخدمة نقودًا لسبقتك إلى هذه البطولة، ولكن حظك أقوى من حظي..
وأسأل نفسي: هل أنا مريض؟. ألم أعد أصلح للحياة الاجتماعية بين الناس؟.