الصفحة 46 من 58

وأتذكر قول أمي: (( يجب أن تساير الناس لكي تستطيع أن تعيش بين الناس ) )..

ولكن.. لماذا لا يسايرني الناس بدل أن اسايرهم؟. أنا عرفت الحقيقة وهم غافلون عنها، فلماذا اشد نفسي إلى الأرض بكلمة إنهزامية: مسايرة؟.

(( يا مدينتي.. سأرحل.. إلى هناك.. لا أريد أن أؤمن بعد اليوم أن الشمس يمكن أن تكون باردة في خط الإستواء ) ).

أشقياء في مياه مالحة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قادم من قرية في الشمال.. هذا أنا.. من أرض كان ربيعها يزحف فوق التلال والبيوت، ويورق حتى في تنور جارتنا السمراء.. لست متواضعًا، ولا متبجحًا.. فأنا أحمل همومي مصابرًا، ولكني أرزح أحيانًا تحت ثقلها في عثار الطريق...

الأيام في المدينة انستني كثيرًا من حكايات الشمال.. تنورة الصبية التي أصبحت زوجتي ذبحت كدسة من تلك الأيام، ولكن الوجه الذي بدا اليوم في الزحام رماني في دوامة من التداعيات تنتهي ولا تنتهي..

بدا وجهها في زحام المدينة رسالة ود قديم من بلدته البعيدة الوادعة قرب نهر الخابور تحلم بخمول...

قلت لها: لماذا أتيتِ؟.

أجابت هازئة واختناق الدمع في صوتها: جئت استعرض شارات التقدير تحفرها المدينة الكبيرة على صدرك..

-. وماذا رأيتِ

-. رأيتها محفورة باسياخ من نار.. تبدو في عينيك المتعبتين..

-. النار تطهر كل شيء

-. يقولون في القرية انك اصبحت مشهورًا في المدينة

-. لم أشعر بهذا

-. لقد افتقدناك في جنازة والدك

-. كنت مندمجًا في دوامة العمل، فلم أستطع سوى تحويل المال الذي يكفي لدفنه.. كان المال- لاتضحكي- بدل إعلانات باب الزواج والوفيات في الصحيفة التي هي مورد رزقي

-. أهذا كل ما فعلت؟. ألم تصلَّ من أجله؟.

-. رجوت التراب ان يترفق به

-. هل انت سعيد في المدينة؟.

-. ولم أكن سعيدًا في البلدة

-. عد إلى بلدتك، لعل حبنا الذي مات، تورق اعواده من جديد

-. لم يبق في الكرم إلا الحطب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت