الصفحة 54 من 58

-. انني أفهمك جيدًا..

-. لا أصدق هذا، فأنا برأيك لستُ سوى فأر أبيض قد أصلح للتجربة أو قد لا أصلح.. إذهب إلى الشيطان أنت ولندن والعلماء..

مدّ سبابته إلى الأمام فكانت ترتجف.. إنفتل إلى المرآة ونظر إلى وجهه.. لم يكن على صورته المعكوسة في صفحتها أية علامة من علامات الحزن أو الفرح.. رشق المرآة بالماء وعاد فتمدد على السرير يتأمل صورًا مرشوقة على الجدران لنسوة عاريات بأوضاع مغرية..

قبل ذلك، كانت صورة (حبيس الدائرة) تشغل ذهنه كثيرًا فمنذ أن حدثه صديقه الآخر القادم من الشمال عن ذلك الرجل وقبيلته وهو يسأل نفسه عما إذا كان واحدًا منهم تاه مع الأيام عن موطن القبيلة؟

قال له الصديق: في الجهة الشمالية الشرقية من بلدنا تعيش قبيلة إذا كان أحد أفرادها واقفًا في مكان ما، وجاء أحدهم ورسم حول مكان وقوفه دائرة، اما على التراب أو بقطعة فحم أو حوّار، فإنه يظل حبيس هذه الدائرة حتى يأتي أحدهم ويمحو جزءًا من محيط الدائرة ليخرج منها، وإلا فإنه يبقى ضمن محيطها حتى يوم القيامة.

كانت الدوائر التي وزع عليها الشاب اناس العالم أربع دوائر متتالية بصورة عمودية، فالدنيا منها أسماها الدائرة القردية وطوّق بخط محيطها فئة من البشر لا يدبُّ أفرادها إلا في المسالك الحيوانية البعيدة، متنكبين ميادين العواطف والعطاءاءت الانسانية كلها..

اما التي تليها فدائرة التواطؤ، وهذه حشر فيها الذين حوله جميعهم، والديه وأصدقاءه، وعاثرات الليل، وساقي المقهى، وبقية المخلوقات البشرية التي تنتظمها خيوط الحياة الاجتماعية.

اما الدائرة الثالثة فيتخطاها رأسًا إلى الرابعة ليقف أمام محيطها عاجزًا عن حصر أي انسان فيه، فهذه دائرة الفارس وهذا الا نموذج مات في دنياه وفي أذهان القطيع..

ويعود إلى الثالثة، إلى دائرته هو.. ليجد نفسه وحيدًا فيها، ويروح مع الأيام يحاول ان يجد نعتًا لها، وأخيرًا يهتدي إلى تعريفها بدائرة الوعي المشلول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت