الصفحة 6 من 58

وما تزال الصحف تتحدث، وما تزال القصائد تعلن عن المنابر، وما تزال الخطب تهز الأثير، وتملأ شاشات الرائي، تسبقها رقصة ويعقبها نشيد، وما تزال سلمى تمد رقبتها المعروقة وبين أسنانها دخينة فاخرة بثمن وجبة الخبز اليومي لأسرة كادحة، وهي تقول:"صدعت رأسي بحديث السياسة، فخّار يكسّر بعضو".

العنق .. والأنشوطة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السكين في الخاصرة، والأمل حرون، وليس في المرتجى الداني أو في الأفق المياسر، أي بشير للخلاص..

في هذه اللحظة، تنهي سفينة فضائية دورة جديدة في المدار، وتشحذ سكرتيرة كاعب ابتسامة متجددة للمدير وتكشيرة للمراجعين.. ويستوي أحد أباطرة المال فوق أريكة مصرفية وهو يلوي عنق الخط البياني للبورصة العالمية، ويموت طفل في ساحل العاج من التجفاف.. ويحدق نيلسون مانديلا في تاريخ الصحيفة التي سرّبت إلى سجنه في بريتوريا فيرتسم على وجهه الكابي شبح ابتسامة وهو يحسب زمن اعتقاله الذي يقترب من أعوامه الثلاثين..

ها أنتم ترون أنني"متابع"و"مطّلع".. اعرف امور الدنيا، واستقرئ أحداث العالم، وأصحح أخطاء مذيعات التلفزيون.. يعتبرني اهل الحي مثقفًا، وتعتبرني زوجتي رجلًا خائبًا لأنني أقرأ أكثر مما أعمل، وأستمع إلى الإذاعات حتى ( أصفّي ) آخر موجة على الأثير دون أن أكترث باعلانها اليومي عن خيبتي المزعومة وهي ترمي ثيابها الداخلية فوق الشراشف لتوحي بأنها في حال العري المستلقي والإنتظار الذي طال.

السكين في الخاصرة، والأمل حرون، وأنا في غرفة فسيحة لها باب واحد مغلق، يقبع خلفه - هكذا أتخيل - الرجل المربوع المتين الذي يبدو وكأنه قد صبّ من الرصاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت