المذهب الثالث: الجواز على إطلاقه، وبه قال الحنفية [1] وهو مذهب المالكية [2] ؛ لأن عمل العامل ملك له، فخياطته ملك له وقد التصقت بالعين التصاقًا لا ينفك عنها فجاز له حبسها، وهو ما يترجح للباحث - والله تعالى أعلم -.
القسم الثاني: ما ليس لعمل العامل أثر في العين، وذلك كأن يكون الأجير حمّالًا، فاختلف الفقهاء في حبس الأجير للعين إلى قولين:
القول الأول: منع الحنفية [3] والشافعية [4] والحنابلة [5] حبس العين التي لا يؤثر عمل العامل فيها، وذلك لأن المعقود عليه هو نفس العمل، وهو فانٍ لا يتصور بقاؤه، فلا يمكن حبسه.
القول الثاني: أجاز المالكية [6] للعامل حبس ما حمل، لأنه يبيع منفعته، كالبائع الذي يحبس سلعته لحين تسلم الثمن.
ويترجح لدى الباحث- والله تعالى أعلم- قول المالكية، لأن صاحب العين قدّم مالًا، بينما قدّم العامل منفعة، فلا يُسلّم العامل ما عنده من أعيان حتى يأخذ عوض منفعته، وقد اعمل العامل بدنه وقضى وقته في العمل فيلزم أن تكون الأجرة مقابل ذلك، وهو أحق الناس بالعين حتى يقبض أجرته، وهذا الحق يثبت للعامل ما دامت العين في يده، أما إذا استلمها صاحبها فلا يجوز للعامل حبسها بالسطو.
الضمان الثاني: استحقاق العامل لأجرته إذا أفلس المستأجر.
فإذا كان العامل خاصًا ولا يحوز ما يعمل فيه كالبنّاء مثلًا فإنه يقاسم الغرماء حسب حصته، أما إذا كان عاملًا مشتركًا فإن جمهور الفقهاء من الحنفية [7] والمالكية [8] والشافعية [9] والحنابلة [10] قالوا بتقديمه
(1) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص111.
(2) الصاوي، بلغة السالك إلى مذهب الإمام مالك، ج2، ص136.
(3) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص111.
(4) الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، ج1، ص417.
(5) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، المقنع في فقه إمام السنة أحمد بن حنبل، طبعة عام 1980م، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، السعودية.
(6) مالك، المدونة، ج3، ص440. القرافي، الذخيرة، ج5، ص464.
(7) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج5، ص111.
(8) ابن رشد، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج2، ص366.
(9) الأنصاري، شرح روض الطالب من أسنى لمطالب، ج2، ص203.
(10) ابن قدامة، المغني، ج4، ص467.البهوتي، منصور بن يونس، الروض المربع شرح زاد المستنقع، ج2، ص329، طبعة عام 1970م، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، السعودية.