الصفحة 17 من 45

والقرائن كثيرة، ويصعب ضبطها بحدٍّ حقيقيّ يميّزها عن غيرها؛ وذلك لدقتها في نفسها، فإنَّها قد تدرك ولا تفي العبارة بوصفها؛ إذ ليس كل ما يدركه الحس يستطيع الإنسان أنْ يعبِّر عنه. قال إمام الحرمين:"قلنا: الخوض فيما نؤثره يستدعي تقديم أمر، وهو أنَّ العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مرتبة على قرائن الأحوال، وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها، ولا سبيل إلى جحدها إذا وقعت، وهذا كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل، ونشط الثّمل، وغضب الغضبان، ونحوها، فإذا ثبتت هذه القرائن ترتب عليها علوم بديهيّة لا يأباها إلاَّ جاحد، ولو رام واجد العلوم ضبط القرائن ووصفها بما تتميَّز به عن غيرها، لم يجد إلى ذلك سبيلًا، فكأنَّها تدق عن العبارات وتأبى على مَنْ يحاول ضبطها بها. وقد قال الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: مَنْ شاهد رضيعًا قد التقم ثديًا من مرضع، ورأى فيه آثار الامتصاص، وحركات الغلصمة، وجرجرة المتجرع، لم يسترب في وصول اللَّبن إلى جوف الصَّبي، وحلَّ له أنْ يشهد شهادةً باتةً بالرَّضاع) [1] ."

من هذه القرائن:

أخبار الآحاد التي تلقتها الأُمَّة بالقبول:

فإنَّها تفيد العلم النَّظريّ، عن طريق الاستدلال لا من جهة الضَّرورة. ومثَّلوا لها بحديث: (لا وصية لوارث) ، وحديث: (هو الطّهور ماؤه الحلّ ميتته) ، وحديث: (الدِّية على العاقلة) ، وحديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه - لما أرسله الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، ونحوها. وليس المراد من تلقي الأُمَّة له بالقبول الإجماع؛ وإنَّما صفته أنْ يعرف أكثر السَّلف ومعظمهم به، ويستعملونه من غير نكير على قائله، ومن خالفهم كان شاذًّا لا يلتفت إليه [2] .

(1) إمام الحرمين: البرهان، 1/373.

(2) الجصاص: الفصول، ص403، وولي الدين العراقي: الغيث الهامع شرح جمع الجوامع، 2/492-493، وابن النجار: شرح الكوكب المنير، 2/348-351.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت