ثالثًا: وأجابوا عن قولهم:"إنَّ أخبار الآحاد قد استدلَّ بها في أمور الغيب وقبلها السَّلف": أنَّ الأخبار المروية في أمور الآخرة منها ما اشتهر فيوجب العلم، ومنها ما تواتر معنويًّا واعتضد بالكتاب فيفيد القطع [1] .
رابعًا: وأجابوا عما نسبه ابن خويزمنداد إلى الإمام مالك، ونقل عن الإمام أحمد: أنَّ خبر الآحاد يفيد العلم بما يأتي:
ما نسبه ابن خويزمنداد إلى الإمام مالك فيه إشكال؛ لأنَّ أئمة المالكيّة وجمهورهم يخالفون ما نقله عن مالك، فقد درجوا على أنَّ خبر الآحاد يوجب العمل، وأنَّ ما تضمّنته أخبار الآحاد أمر مظنون غير مقطوع به.
وقد نازع أبو عبد الله المازريّ ابن خويز منداد فيما نسبه لمالك، وتعقّبه بقوله:"ولم يُعْثَر لمالك على نصّ فيه. ولعلَّه رأى مقالة تشير إليه، ولكنها متأوّلة" [2] .
وكتب أصول الفقه المالكيّ واضحة في اتجاه المازريّ، قال ابن عبد البر:"والذي عليه أكثر أهل العلم من أصحابنا أنَّه يوجب العمل دون العلم. وهو قول الشَّافعيّ وجمهور أهل الفقه والنَّظر، ولا يوجب العلم عندهم إلاَّ ما شهد به على الله، وقطع العذر بمجيئه قطعًا، ولا خلاف فيه" [3] .
وابن خويز منداد عنده شواذ عن الإمام مالك، وتأويلات لم يُعرِّج عليها حذاق المذهب، ولعلَّ هذا من جملة الأقوال التي انفرد في نسبتها إلى الإمام مالك [4] .
وكذلك ما نقل عن الإمام أحمد من القول بإفادة خبر الآحاد العلم ليس على إطلاقه، فالإمام أحمد لا يقول بأنَّ كل خبر آحاد يفيد العلم؛ بل يفيد من انضمام القرائن إليه.
(1) التفتازاني: التلويح إلى كشف حقائق التنقيح، 2/9.
(2) الزركشي: البحر المحيط، 4/263.
(3) ابن عبد البر: التمهيد، 1/7.
(4) ابن حجر: لسان الميزان، 5/291.