وقد أورد أئمة المذهب الحنبليّ عن الإمام أحمد رواية أخرى عنه تقول: إنَّ خبر الآحاد لا يفيد العلم، قال ابن قدامة:"اختلفت الرِّواية عن إمامنا أحمد في حصول العلم بخبر الواحد، فرُوِيَ عنه أنَّه لا يحصل به علم، وهو قول الأكثرين والمتأخرين من أصحابنا" [1] . فعلى هذا يكون الإمام أحمد مع الجمهور في كون خبر الآحاد المتجرّد عن القرائن لا يفيد العلم.
على أننا يمكننا أنْ نعتبر رواية أنَّ خبر الآحاد يفيد العلم؛ بأنَّهم أرادوا أنَّه يفيد العلم بوجوب العمل، دون ما يتضمَّنه، وهو أمر في غاية الدِّقة [2] .
أو أنَّهم يقصدون أنَّه يفيد العلم بمعنى الظَّنّ، لا بمعنى اليقين؛ فإنَّ العلم قد يطلق ويراد به الظَّنّ، كما في قوله تعالى: ، أي ظننتموهنّ.
ويمكن أنْ يقال أيضًا: إنَّهم أرادوا به العلم النَّظريّ، أي المتوقف على النَّظر والاستدلال، وهو لزوم إفادة مجموع الخبر والقرائن العلم النَّظريّ، لاسيما وأنَّ غلبة الظَّنّ فيها نوع من العلم دون اليقين، فيكون داخلًا في مذهب الجمهور، وليس مرادهم العلم الضَّروريّ القطعيّ الذي يفيده الخبر المتواتر. فهناك فروقًا بينهما ذكرها علماء الأصول، منها: إنَّ مَنْ أنكر قضية ثابتة بدليل يفيد العلم النَّظريّ يأثم، ولا يكفر اتفاقًا.
ومن هنا نفهم المراد من إطلاق عبارات بعض الأصوليين حين قالوا: خبر الآحاد لا يفيد العلم، فإنَّ مرادهم أنَّه لا يفيد العلم اليقينيّ الذي يفيده نص القرآن والخبر المتواتر القطعيّ، إنَّما يفيد مع القرائن العلم النَّظريّ. وهذا مما لا يفطن إليه بعض الباحثين في الموضوع.
(1) ابن قدامة: روضة الناظر وجنة المناظر، 1/260. وراجع: ابن بدران: نزهة الخاطر العاطر، 1/247-248.
(2) الزركشي: 4/262-264.