فهرس الكتاب
الرَّأْي الثَّالث: يحتجّ بأخبار الآحاد في العقائد، وأنَّها تفيد الظَّنّ لا العلم، وإليه ذهب السَّرخسيّ [1] ، وحكى ابن عبد البرّ أنَّه قول أكثر أهل الفقه والأثر، حيث قال فيما يحكيه عنهم:"وقال قوم كثير من أهل الأثر، وبعض أهل النَّظر، أنَّه يوجب العلم الظَّاهر والعمل جميعًا، منهم الحسين الكرابيسيّ وغيره، وذكر ابن خويز منداد أنَّ هذا القول يخرج على مذهب مالك، قال أبو عمر: الذي نقول به أنَّه يوجب العمل دون العلم، كشهادة الشَّاهدين والأربعة سواء، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السُّنَّة" [2] .
ويبدو أنَّ الإمام النَّوويّ من هذا الفريق؛ لأننا إذا رجعنا إلى شرحه لأخبار الآحاد التي وردت في العقيدة في صحيح مسلم، نجده يميل إلى هذا الرَّأْي، فمن عباراته في معرض كلامه عن حديث ضمام بن ثعلبة [3] ، وقد تضمَّن عقائد:"وفي هذا الحديث العمل بخبر الواحد" [4] ، ويقول في موضع آخر:"هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد" [5] .
ومبنى الخلاف أساسه اختلافهم فيما يفيده خبر الآحاد:
فمَنْ يرى أنَّ أخبار الآحاد تفيد العلم، فإنَّه يعمل بها في العقائد؛ لأنَّها أفادت القطع واليقين عنده.
ومَنْ يرى أنَّها لا تفيد العلم، قال: إنَّ العقيدة لا تثبت بأخبار الآحاد؛ لأنَّه لا بُدَّ فيها من العلم، وأخبار الآحاد إنَّما تفيد الظَّنَّ ولا تفيد العلم.
(1) السرخسي: أصول السرخسي، 1/329.
(2) ابن عبد البر: التمهيد، 1/8.
(3) النووي: شرح صحيح مسلم، 1/171.
(4) المرجع السابق، 1/171.
(5) المرجع السابق، 1/227.