الصفحة 35 من 45

ومن دقَّق وحقَّق في هذه المسألة، يصل إلى أنَّ الخلاف فيها ليس خلافًا حقيقيًا؛ بل هو خلاف لفظيّ؛ لأنَّ قول الجمهور:"إنَّ خبر الآحاد لا يعمل به في العقائد"ليس معناه أنَّهم يردون خبر الآحاد، أو ينكرون العمل به، وينفون الإيمان بمضمونه؛ فقد ذكرنا اتّفاقهم على وجوب العمل بأخبار الآحاد، وإنَّما ذلك لاصطلاح خاص بهم في العقائد، فإنَّهم يرون أنَّ العقيدة التي تميِّز بين الكفر والإيمان لا تثبت إلاَّ بنص قطعيّ، وهذا لا يتوفر في أخبار الآحاد، وما كان كذلك لا يُسمَّى عقيدة؛ لأنَّها لا تكون إلاَّ عن علم، وهذا لا يتوفر إلاَّ في القطعيّ.

ومن هنا نفهم المراد من إطلاق عبارات بعض الأصوليين حين قالوا:"خبر الآحاد لا تثبت به العقيدة". فإنَّ مرادهم بذلك: العقيدة التي تميِّز بين الكفر والإيمان، وهي قضايا الاعتقاد الأصليّة، وهذه ثبتت بنصوص القرآن المحكمة، القاطعة الدّلالة، التي لا تحتمل اجتهادًا ولا تأويلًا، فالقرآن قد حوى العقائد الأصليّة الأساسيّة، التي يجب التَّسليم بها، ولا تقبل أي نقاش أو الاجتهاد فيها، وهي ملزمة بحسبانها من أركان الدِّين، ومن أنكرها يُحْكَم عليه بالكفر، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. وما جاء عنها من أخبار فهي تقرير وتأكيد لِمَا جاء في القرآن.

فهناك آيات عديدة في كتاب الله تعالى نعلم منها أصول العقائد، وهي ستة، منها: قوله تعالى: [النساء: 136] .

ففي هذه الآية الكريمة خمسة أصول، هي: الإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرُّسل، واليوم الآخر.

أمَّا الإيمان بالقدر، وهو الأصل السَّادس، فنعلمه من قوله تعالى: [القمر: 49] ، وقوله تعالى: [الأحزاب: 38] ، وقوله تعالى: [الفرقان: 2] ، وقوله تعالى: [الحديد: 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت