وكانت طريقة السّيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قبول الخبر ألا يعارضه ما هو أقوى منه، فإنْ عارضه ما هو أقوى منه لم تقبله ولم تعمل به. لذا ردّت خبر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: (إنَّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) [1] ، وقالت:"يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أَمَا إنَّه لم يكذب، ولكنّه نَسِيَ أو أخطأ، إنَّما مرَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهوديّة يُبْكَى عليها، فقال: (إنَّهم ليبكون عليها، وإنَّها لتعذب في قبرها) [2] ."
قال النّوويّ:"وهذه الرّوايات من رواية عمر بن الخطاب وابنه عبدا لله ـ رضي الله عنهما ـ، وأنكرتها عائشة، ونسبتهما إلى النّسيان والاشتباه عليهما، وأنكرت أنْ يكون النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك، واحتجت بقوله تعالى: [الأنعام: 164] ، قالت: وإنَّما قال النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في يهوديّة: (إنَّها تعذب وهم يبكون عليها) ، يعني تعذب بكفرها في حال بكاء أهلها لا بسبب البكاء) [3] ."
ومن هذا يتبيَّن أنَّ خبر الآحاد يحتمل الخطأ، ويُرَدُّ إذا عارض ما هو ثابت مقطوع به.
وعلماء الإِسلام لا يختلفون في ضرورة الأخذ بالسُّنَّة النَّبويّة، واعتبارها مصدرًا من مصادر الإِسلام، ولكنهم يختلفون في كيفيّات ومناهج هذا الأخذ، ويختلفون في تقدير السُّنَّة عندما ينظر إلى الاختلاف في طرق روايتها، وفي توثيق ما رُوِيَ منها، فعندئذ يقع الخلاف حولها.
ومما اختلفوا فيه: إفادة خبر الآحاد، هل يفيد العلم واليقين، أم يفيد الظن؟
مسألة كَثُرَ الخلاف والجدال فيها، وكان لها آثار خطيرة في الفِرَق والتَّكفير؛ وذلك لأنَّه إذا أوجب اليقين والعلم فإنكاره كفر.
(1) البخاري، كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة الأولى، 1/439، حديث رقم 1241.
(2) مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، 2/643، حديث رقم 932.
(3) النووي: شرح النووي على صحيح مسلم، 6/228.