فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 52

فليس الإنجيل كما يعتقد المسلمون كتابًا أُوحي إلى المسيح من السماء، وإنما هو رسالة أعدَّها المسيح للعالم ووعظ بها وأنذر بها بفمه الطاهر وَبَعْدَ مَا أُسْلِمَ يُوحَنَّا جَاءَ يَسُوعُ إلى الْجَلِيلِ يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ مَلَكُوتِ اللّهِ [1] . فالمسيح لم يأخذ هذه الرسالة مكتوبة، كما أنّه لم يكتبها، وإنما علّمها شفويًا لتلاميذ مختارين، ثم أرسلهم إلى جهات مختلفة ليبشروا بها هم أيضًا، وليعلّموا آخرين غيرهم. ولذلك عُدُّوا رسلًا. وقد وعدهم المسيح، قبل صعوده أنه لن يتركهم كاليتامى، وإنما سيرسل لهم الروح القدس ليعلّمهم كل شيء, ويذكّرهم بما قاله لهم, وقد تمّ هذا الوعد بحلول الروح القدس عليهم يوم الخمسين، فأخذوا منذ ذلك اليوم يبشرون الجميع بالإنجيل.

وكان من الضروري على التلاميذ الحواريين في تبشيرهم أن يعلّموا عن المسيح حسبما يلائم عادات ولغات العالم، فكانت الرسالة في مادتها من حيث أنّها بشارة المسيح، بشارة الخلاص - واحدة، وإن تنوعت مظاهرها. فكتب البشيرون الأربعة البشائر الأربع في أزمان قريبة، وقد نحا كلّ منهم في كتابته منحى خاصًا. فليس إذًا وجود أربع بشائر يعني وجود أربعة أناجيل، كما ظن المسلمون، بل هو إنجيل واحد ذو مناظر أربعة، كتبه البشيرون متّى ومرقس ولوقا ويوحنا بوحي الروح القدس لتكون الشهادة قوية متينة.

(1) فمتّى وهو اليهودي كتب بشارته لليهود أهل الدين المُنزل، فتكلم عن المسيح كملك إسرائيل الموعود الذي تمّت فيه نبوّات وإشارات ورموز العهد القديم, ولذلك أكثر من الاستشهاد بما جاء في العهد القديم من النبوّات عن المسيح، فيذكر أنّ المسيح ابن داود، ويرجع بأصله إلى صُلب إبراهيم أبي الآباء عند اليهود, ويتخطى في نسب المسيح ذكر مريم، ويذكر هالي الذي هو جد المسيح حسب الجسد، لأن العادات اليهودية القديمة كانت تقف حائلًا دون ذكر انتساب الإنسان إلى أمه.

(1) مرقس 1: 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت