فهرس الكتاب
(2) ومرقس كتب بعد متّى فخصّ الشعب الروماني الوثني صاحب السيادة، فأهمل أصل يسوع تمامًا، وابتدأ بخدمته، وتكلم عنه كعظيم حاز كمال الحياة، وأوقف نفسه على فعل الخير دائمًا وكرّسها لإنقاذ الإنسان.
(3) ولوقا كتب بعدهما، للمتديّنين والمتعلّمين والمفكرين، وخصّ بشارته بأهل العلم من اليونان كما يُرى من مقدمة بشارته، فتتبع نسب يسوع إلى آدم أب البشرية جمعاء، وتكلم عن المسيح وكهنوته الكامل، وعن شفاعته، وقدّمه للعالم باعتباره الإنسان القدوس دون سواه. يقول رينان - ألدّ أعداء المسيحيّة - عن بشارة لوقا: إنها أجمل كتاب في سجل اللغات ولا عجب، فقد كان لوقا طبيبًا رومانيًا، رجل علم وعمل. مدققًا محققًا. ومهنته وحدها تلقي نورًا ساطعًا على حياته، لأن الرومان كانوا لا يسمحون لأحد منهم بمزاولة الطب إلا إذا جاز امتحانات عدة على جانب عظيم من الصعوبة والخطورة.
(4) أما يوحنا فقد كتب بشارته بعد زملائه الثلاثة بعشرين أو ثلاثين سنة، وكان اليقين بتجسّد المسيح قد رسخ في أفكار المؤمنين، وزال الخوف من أن يتزعزع. فخصّ في كتابته المتأخرة أهل الإيمان إجمالًا على اختلاف جنسياتهم وصفاتهم السابقة. ولأنه كتب لهؤلاء جميعًا لم يكتب بما سبق وكتبه زملاؤه، بل قصد أن يحقق لهم في بشارته أصل المسيح ليس فقط قبل إبراهيم، أو قبل آدم، بل منذ أعماق البدء، فتراه يذكر في بشارته كلمة من أفخم أقوال الإنجيل وأشهرها، ولها وقْع عظيم في نفس كل مؤمن، ففيه يذكرنا ببدء الخليقة وبفاتحة الوحي في العهد القديم: في البدء خلق الله السماوات والأرض فيصّور لنا بدء البدء بقوله: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللّهَ. هذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللّهِ. كُلّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ [1] .
(1) يوحنا 1: 1-3.