فهرس الكتاب
لكنني لم أكن أرى في هذا النصر فخرًا ولا عزًا؛ لأنني كنت أؤمن بأن جلسة صورية مثل هذه لا تستطيع أن تقضي على مفاهيم ومبادئ أكلت عليها الدهور والأزمان، وأن هذا التفوق الذي جنيناه لا يُعدُّ تفوقًا علميًا كما صورته الجرائد والمجلات والمحافل والمجالس المختلفة..
لم أكن سعيدًا على نجاحنا؛ وذلك لأنني كنت أعرف مستواي العلمي أكثر من الآخرين.
كنت أؤمن أن مِثلي لا يستطيع أن يقلع شجرة أثمرت أفكارًا ومفاهيم طوال أربعة عشر قرنًا من الزمان في مناظرة صورية مثل هذه.
كنت أشعر أن طالبًا شيعيًا بسيطًا مثلي لا يستطيع أبدًا أن يُفحم علماء السنة بهذه السهولة، وكنت أرى في عيون هؤلاء العلماء أنهم يملكون أجوبة وأن في رؤوسهم الشيء الكثير لكنهم لا يبدونه.
ولعل رفقائي - كذلك - كانوا يدركون مثلي تمامًا، أن سكوت علماء السنة كان راجعًا إلى أمرين لم يرد أحد من أصحاب الضجيج الإعلامي أن يشير إليهما:
أولهما: أن الجو بالنسبة لهم لم يكن مساعدًا، فهم كانوا كالصيد في شبكة الصياد، أُحضروا من مناطقهم البعيدة إلى قم في وسط جو شيعي يهتف فيه كل شيء للخصم المناظر، ثم إنهم شعروا بالكاميرات وعدسات التصوير التي تصور وتسجل كل كلمة يتفوهون بها، فلم يكونوا يرغبون أن يدخلوا في النقاش وأن يجادلونا فيما نقول، ولم يكونوا يتطرقون إلى المسائل الاعتقادية إلا مكرهين.
ثانيهما: أنهم لم يكونوا على استعداد للبرنامج، ويبدو أنهم أُرغموا فيها دون أن يعرفوا عن الموضوع وعن السبب الذي من أجله أُحضروا إلى قم، فلما وجدوا أنفسهم في ساحة مناظرة أخذ الخصم فيها عدته كاملة حاولوا ألا تخرج من أفواههم كلمة قد يُعاتبون عليها.
فما كانت تقوله الجرائد والمجالس، وما كنَّا نزعمه من إفحامهم وانتصارنا عليهم كانت مجرد حركة دعائية ليس لها من الواقع شيء.