وقد كان الحج فُرِضَ على النبي - صلى الله عليه وسلم - في السنة التاسعة من الهجرة على قول بعض السلف، وقيل غير ذلك، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بقيادة أبي بكر - رضي الله عنه -للحج؛ لما في الحج في تلك السنة من الآثار الباقية للوثنية، حيث كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، ويُحَوِّلون الحج إلى موسم ومهرجان للوثنية، فنادى أبو بكر -ومعه علي بن أبي طالب، وأبو هريرة رضي الله عنهم وغيرهم-:"ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان" (1) . ثم حج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك في السنة العاشرة من الهجرة، وهي الحجة الوحيدة التي حجها بعد الهجرة، وتسمى حجة الوداع.
المبحث الثالث
على سنن المرسلين
جعل الله هذا البيت مثابة للناس وأمنًا، حجَّه الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، وطافوا به، فهذا إبراهيم عليه السلام -أبو الحنفاء- الذي أذن للناس بالحج، وقال:"إن الله أمركم بالحج فأجيبوه".
وقد كان وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر في مكة عند البيت، حيث الصحراء الجرداء، والقفار الموحشة، فلا ماء، ولا مرعى، ولا أنيس، وولى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ظهره، فلحقت به هاجر تقول له:"يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟"فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها -يخشى أن ينظر إليها فيقرأ الحزن في قسمات وجهها فيرق لها، أو يرق لغلامها الذي تركه-؛ ولهذا ولى وجهه، ولم يلتفت، فلما رأته كذلك قالت له:"آلله الذي أمرك بهذا؟"قال:"نعم"، قالت:"إذن لا يضيعنا"، ثم رجعت.. (2) .
(1) أخرجه البخاري (369) ، ومسلم (1347) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(2) أخرجه البخاري (3114،3364) عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا.