فهرس الكتاب
وقد يكون لمناسبة النص فائدة كبيرة في بيان بلاغة صيغة الوصل ، فقوله تعالى - ? { لَقَدْ تَابَ الله عَلىَ النَّبي وَالُمهَاجِرينَ وَالانْصَار الذَّينَ أتَّبَعُوه في سَاعةِ العُسَرةِ مِنْ بَعَدِ مَا كَادَ يَزيغُ قُلوبُ فَريقٍ منهُم ثم تابَ عليهم أنه بهم رؤوفٌ رحيم - وعلى الثلاثة الذين خُلِفوا حتَى إذَا ضَاقَتْ عَليْهِم الارضُ بما رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم اَنْفُسُهم وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأ مِنْ الِله إلاَ اليهِ ثُمَ تَابَ عَلَيْهِم لِيَتُوبُوا إنَّ الله هُوَ التَوابُ الرَّحيِمُ } (التوبة: 117- - 118) ، الآية نزلت في مناسبة خاصة ترويها كتب التفاسير، وأسباب النزول عن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك (1) ، وقد صورت الحالة النفسية التي كان عليها كل من الثلاثة بعد أن هجرتهم الأمة وضاقت بهم الحال فأدبهم الاسلام بأدبه لكي يكونوا عبرة للآخرين ، ولكن رحمته عز وجل وسعت كل شيء، فُوصِلَتْ جملة
(( وعلى الثلاثة الذين خُلفِوا ) )بما قبلها لأجتماع المناسبة بينهما وأشعارًا بأن التوبة
قد شملت هؤلاء الثلاثة بعد طول إنتظار،ومما عزز هذا المعنى قوله تعالى (( ثم تابَ عليهم ليتوبوا ) )فيلاحظ ـ - هناـ إيحاء خاص بالمهلة والتراضي والبطء وهي المعاني التي تناسب ماكان من أمر هؤلاء الثلاثة وطول إحساسهم بالزمن من خلال مدة المقاطعة والانتظار ولكنها مع ذلك تنطوي في هذا التركيب البلاغي الجديد المعجز على معنى المفاجأة التي تعبر عنه الآية وذلك بتحقيق الأمل بعد اليأس الطويل والحيرة في الأمر، وضيق الأرض بثلاثتهم كأنهم لا يجدون فيها مكانًا يقرون فيه قلقًا وجزعًا مما هُم فيه ، بل ضيقهم بأنفسهم ، بحيث صارت قلوبهم لا يسعها أملٌ أو اطمئنان (2) .
(1) ينظر التفسير الكبير:16/226، وينظر ص / 74من البحث.
(2) ينظر بلاغة العطف في القرآن الكريم (دراسة أسلوبية) :66-67