الصفحة 171 من 226

الفصل الثاني ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فعبر تعالى في الآية الاولى بـ (أيام) وعَبر في الآية الثانية بـ (الليالي) مع أن القصة واحدة في الآيتين كلتيهما وهي قصة سيدنا زكريا ( - عليه السلام - ) عندما دعا ربه ليجعل له آية ، علمًا أن المنع من الكلام كان حاصلًا في الأيام الثلاثة مع لياليها، بدلالة الجمع بين الليالي والأيام (1) . إذًا ما الذي جعل القرآن أن يعدل من اليوم في ( الاية الأولى) الى الليل (في الاية الثانية) لا شك على الإطلاق في أن هناك حكمة ما أحاول أن أتلمس شيئًا منها وذلك من وجوه:

الأول ـ أن القرآن الكريم معروف بسعيه للتأثير الشديد في نفسية القارىء وعلى مختلف المستويات من هنا لجأ الى المجاز وبالتحديد المجاز المرسل عندما عبر عن الكل (اليوم) بالجزء (الليل) وذلك لما للمجاز من اثر بالغ في النفس يفوق الحقيقة، كما هو الحال في الشعر.

الثاني ـ للتأكيد على أن الليل واقع فيه المنع على الرغم من سكونه وقلة الحركة فيه وإنعزال زكريا ( - عليه السلام - ) فيه عن الناس.

الثالث ـ لتجنب التكرار الذي يثير نوعًا من الملل، وخلق حالة من التضاد لترسيخ المعنى،فقد أثار هذا التضاد نوعًا من التقابل بين النصين يدل عليه سياق الآيات السابقة في كل من الموضعين (2) ، بحيث بدتا وكأنهما لوحتان فنيتان متقابلتان (3) تنبضان بالحركة والحيوية،و (( سرالحركة المثيرة للمقابلة بالتضاد في كونها تفاجىء ذهن المتلقي بالاضداد التي تسبب ـ عند إدراك معانيهاـ نوعًا من الحركة الذهنية وذلك عندما ينتقل الذهن من أقصى نقطة في المعاني ويحاول الربط بينها ) ) (4) وهذا ما يدعوناالى التفكر بعظمة الخالق في تطويعه للظواهر الكونية وأمتلاكها.

(1) ينظر الكشاف: 3/9 ، والتفسير الكبير: 7/44

(2) ينظر آل عمران:38-41 ، ومريم: 2-11

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت