الصفحة 178 من 226

فقد جاء ذكر المكان (سماوات) عمومًا لأن السياق تطلب ذلك، فالحق تعالى يخبرنا عن عظمتهِ وقدرتهِ في خلق السماوات والأرض وعن عددها.

أما علاقة التضاد بين (السماوات والأرض) فقد جاءت استنادًا الى لفظة (( مثلهن ) )التي تشير الى تطابق عددهما (1) ، أما في قولهِ تعالى: { إذْ قَالَ يُوسُف لأبيهِ يَا أبَتِ إنّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَر كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَر رَأَيْتُهُم لي سَاجدينَ } ? ( يوسف:4) ، فقد جاءت لفظة (كوكب) في سياقٍ خاصٍ جدًا وهي رؤية سيدنا يوسف ( - عليه السلام - ) لها، إذ فيه دلالة خفية على تأويل المفسرين منأن الكوكب الأحد عشر إخوته، والشمس والقمر أبَواهُ ، ويستدلون على ذلك بلفظة (( ساجدين ) )لأن الكوكب والشمس والقمر لا تسجد ، فالسجود من فعل العقلاء وإنما جازَ ذلك على سبيل الأستعارة (2) .

إذًا فالظاهر يوحي بأنه (مكان) ولكن عند تأويلها تكشف عن دلالةٍ أخرى. وهكذا فالأستعارة فسحت المجال أمام اللفظة لتتوسع بدلالتها، حيث تؤدي وظيفة إبراز البيان والجمال والتأثير والتقريب والتفسير في إطار النص (3) .

ويقابل هذا المكان المرتفع (السماوات) الذي لا يضاهيه مكان في أرتفاعهِ في الكون مكانًا آخر أكثر قربًا يتمثل بالأرض ثم يأتي مكان آخر أشد عمقًا، حيث يمثل أعمق بقعة في الأرض وهو (البحر) ، ولعل هذين المكانين يدعان المتلقي الى تأمل عظمة البارىء عز وجل في الخلق والتدبر، وقد أرتبط ورود هذهِ اللفظة (أبحر) في آيات العدد بـ (السبع) ، قال تعالى: { ولو أَ نَما في الأرْضِ منْ شَجرةٍ أقلامُ والبَحرُ يَمدُهُ من بعدهِ سَبعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفَدتْ كَلِمَات اللهِ إنَّ الله عَزيزٌ حَكيْمٌ } ( لقمان:27) .

فقد جعل تعالى البحر بسعتهِ ومدادهِ وأمَدَهُ بسبعة أبحرٍ أخرى ليكتب بها كلمات الله الدالة على عظمتهِ وصفاتهِ ولكن مع كل ذلك ينفد البحر ولم تنفد كلماته سبحانَهُ

(1) ينظر ص /135من البحث

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت