فصل: أعلم أن حقيقة المزابنة (3) كما عرفها الفقهاء وشرّاح الأحاديث هي"بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر". وكذلك لا يجوز إذا كان الرطب في الأرض، قال الإمام مالك رحمه الله في الموطأ:"ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة، وتفسير المزابنة: أنها كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، ابتيع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد" (4) انتهى. وسواء كان التمر معلومًا، أو مجهولًا، حاضرًا، أو غائبًا، والعلة في النهي عن بيع المزابنة أن التمر الذي على رؤوس النخل مجهول القدر، والجهل بأحد العوضين أو بهما كالعلم بالتفاضل، والبيع بالتفاضل في كل جنس بيع بجنسه ربا، كما ورد في الحديث الصحيح عن صلى الله عليه وسلم:"... التمر بالتمر.. مثلًا بمثل يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى" (5) .
قال في شرح السنة:"والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، والعلة في النهي أن المساواة بينهما شرط، وما على الشجر لا يحزر بكيل ولا وزن، وإنما يكون تقديره بالخرص، وهو حدس وظن لا يؤمن فيه من التفاوت، فأما إذا باع بجنس آخر من الثمار على الأرض أو على الشجر فإنه يجوز، لأن المماثلة بينهما غير شرط كما تقدم، والتقابض شرط في المجلس، وقبض ما على الأرض بالنقل، وقبض ما على الشجر بالتخلية، أقول: معنى هذا الكلام أن سبب التحريم هو شبه الربا، وعند مالك أن سبب التحريم معنى القمار، وكلا الأمرين صحيح" (6) انتهى.