إذا عرفت هذا، عرفت أن خرص النخل أو النخلات عن تمر في ذمة صاحب النخل أنه من المزابنة المنهي عنها، ومن الربا الصريح، وفعل أبناء الزمان، من أهل الجهل والهوى، الذين آثروا دنياهم على رضى مولاهم، وحكموا العادات على طاعة رب الأرض والسموات، لا يغتر إلا من مثلهم، نسأل الله السلامة والعافية، وقد نص العلماء على منع ذلك، ولم أعلم أحدًا أجازه، وقد ذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى في أبواب الربا هذه المسألة (12) ، وقرر رحمه الله تعالى أنها ربا وحرام من وجهين، الأول أنه تصرف في التمر الذي في ذمة المدين ببيعه عليه أو على غيره قبل قبضه، والرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن التصرف قبل قبضه، وفي رواية حتى يجري فيه الصاعان، وهذا تمر لم يقبضن ولم يحص، ولم يجر فيه صاع لأحدهما، فلهذا لا يجوز التعوض عنه بتمر مجهول، للجهل بالتساوي، ولا بتمر معلوم إذا كان أزيد أو أنقص على وجه المعارضة، وأما إذا كان على وجه الإبراء والحط (13) والمسامحة بأقل أو أكثر فلا بأس كما يأتي ذكرها، ولا يجوز أيضا التعوض عنه بذهب ولا فضة أو جنس آخر لمن هو عليه أو لغيره، لما ذكر من النهي عن التصرف بالطعام قبل قبضه (14) ، فإن كان سلمًا فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن صرف السلم إلى غيره (15) ، والوجه الثاني: أن هذا من بيع المزابنة المنهي عنها، وهو بيع التمر بالتمر مجهولين أو أحدهما، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ربا، هذا معنى ما ذكره الإمام مالك رحمه الله تعالى.