والعجب أني سمعت بعض المنتسبين (18) (إلى الدين) ، يبيح بعض هذه الصور مما تقدم ذكره، فسألته عن ذلك فأقر، وقال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم عرض على غرماء والد جابر لما قتل وأتاه جابر أن يقبلوا ثمر حائطه، وفي بعض روايات الحديث أنه قال:"ليس لكم إلا ما وجدتم" (19) ، وهذا من جهله وجرأته وعدم فهمه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذهب، ولم يأمر أحدًا من أصحابه أن يخرص لكل واحد نخلة أو نخلات عن دَيْنِه المعلوم، وإنما أمرهم أن يقبلوه، ويجذوه، ويقتسموه على قدر حصصهم، فإن بقي من دينهم شيء فهو على حاله أو يسقطوه، وهذا جائز (20) ، وهو ظاهر الحديث فإن في بعض ألفاظ البخاري"أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي"، وحديث جابر حديث صحيح مشهور خرَّجه الجماعة، وترجموا له تراجم متعددة بحسب ما تضمن من الفقه، فقال البخاري رحمه الله في صحيحه"باب إذا قاضه أو جازفه في الدين تمرًا بتمر أو غيره" (21) وذكره، وقال أيضًا"باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز" (22) ، وكذلك أهل السنن، وسياقهم متقارب، وقال البخاري أيضًا"باب المقاصة والمجازفة: قال وهب بن كيسان أن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أخبره أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسْقًا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر، فأبى أن ينظره فكلم جابر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشفع له (إليه) ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل فمشى فيه ثم قال لجابر: جُدَّ له فأوف له الذي له، فجدَّه بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوفاه ثلاثين وسقًا، وفضلت له سبعة عشر، فجاء جابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل (23) ، فقال: أخبر بذلك ابن الخطاب، فجاء جابر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر: لقد علمت حين مشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليباركن فيها" (24) وقبل هذا قال البخاري رحمه الله:"باب إذا قضى دون حقه أو حله فهو"