الصفحة 23 من 44

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (49) ، وبهذا تعرف أن إعراض أكثر الخلق عن تعلم ما خلقوا له، وصرفهم عن معرفته، والعمل به أنه عدلٌ من الله سبحانه وتعالى، لقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ ) ، فإن الإنسان خلق ظلومًا جهولًا، فإذا أراد الله به خيرًا فقهه في الدين، ونقله من الظلم إلى العدل، ومن الجهل إلى العلم فصار عالمًا عادلًا، بعد أن كان جاهلًا ظلومًا، وإن أراد به غير ذلك تركه على ما جبل عليه فعاش كذلك، ومات على ما عاش عليه، وبعث على ما مات عليه، وحشر مع أشباهه وأبناء جنسه إلى داره التي خلق لها، وأما من ارتكب المنهيات، أو فرّط في شيء من الواجبات بعد العلم بذلك فهذا جرمه أعظم ومصيبته أكبر، نعوذ بالله من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع. وأكثر الناس بل (حتى بعض) المنتسبين إلى الدين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، ووقع في قلوبهم وجوارحهم الملل، وظنوا أن التعبد لله سبحانه إنما هو في أول العمر دون آخره، أو سنة من السنن، أو شهر من الشهور، أو يوم من الأيام، والله تعالى يقول: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (50) ، والله سبحانه جامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومجاز كل عامل بما عمل (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (51) ، فرحم الله عبدًا أصلح ما بينه وبين ربه، وعامل الله ظاهرًا وباطنًا قبل أن تزل قدمٌ بعد ثبوتها، وقبل (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) (52) ، ونسأل الله سبحانه أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، وأن يحشرنا جميعًا في زمرة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت