هذا الحديث في فضل الصوم في سبيل الله. وقد اختلف أهل العلم في تفسير سبيل الله على قولين: فمنهم من قال المراد من صام يوما طاعة لله وابتغاء مرضاته فجعل المعنى عاما. ومنهم من قال إن المراد في سبيل الله هنا الجهاد في سبيل الله فيكون المعنى من صام يوما في الجهاد فجعل المعنى خاصا وهذا قول الأكثر. قال ابن رشد في بداية المجتهد: (إذا أطلقت كلمة في سبيل الله تعني الجهاد) . قال ابن دقيق العيد: (العرف الأكثر استعماله في الجهاد) . وهو الصواب لأن سبيل الله الأصل فيه إذا أطلق في النصوص انصرف لمعنى الجهاد والقتال في سبيل الله كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . ولذلك أكثر القرآن استعمال هذا المصطلح في عبادة الجهاد والقتال إلا إذا دلت قرينة على إرادة المعنى العام فتحمل عليه كما في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) . قال سعيد بن جبير: (يعني في طاعة الله) . وهذا الثواب العظيم معناه باعد الله بين الصائم وبين النار سبعين سنة فيدل على المعافاة عن النار والسلامة من حرها. والتعبير بالخريف في الحديث فيه نكتة وهو أن الخريف أطيب الفصول وتجنى فيه الثمار. وإنما عظم الله الثواب لمشقة الصوم في أرض الجهاد لأجل أن العبد جمع في هذه الحال بين عبادتين عظيميتين يتجلى فيهما مقام الصبر فكان الثواب على قدر المشقة. وهذا الفضل الوارد في صوم الجهاد ينبغي أن يراعى فيه ضابطا مهما وهو أن لا يكون الصوم يؤدي إلى الوهن والضعف أمام الأعداء فإن كان كذلك كان الفطر أولى ولذلك جاء في وصف صوم داود عليه الصلاة والسلام: (كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى) . متفق عليه.