فهرس الكتاب
وقدْ نُوقِش هذا الدليل: بأنّ ظاهِر الكنايةِ الرجوعُ إلى الكُلّ ، إلا أنْ يَدُلّ الدليل بوجوب تخصيص الكناية به ، وقدْ دَلّ الدليل ، وهو أنّ غيْر جائزة الأمر لا يجوز عَفْوها ، ولا يَلْزَم مِن إرادة الخصوص بهذا الدليل تخصيصه لِعموم الأول (1) .
المذهب الثالث: التَّوَقُّف .
وهو اختيار أبي الحسين البصري وإمام الحرميْن والفخر الرازي .
واحْتَجّوا لِذلك بدليل ، مفاده: بأنّ ظاهِر العموم المُتَقَدِّم يَقْتَضِي الاستغراق ، وظاهِر الكناية يَقْتَضِي الرجوع إلى كُلّ ما تَقَدَّم ، وليس التَّمَسُّك بظاهر العموم والعدول عن ظاهِر الكناية بأَوْلى مِن التَّمَسُّك بظاهر الكناية والعدول عن ظاهِر العموم ، وإذا لم يَتَرَجَّحْ أحدهما وجب التَّوَقُّف (2) .
مناقَشة هذا الدليل:
وقدْ نوقش هذا الدليل مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّ التَّمَسُّك بظاهر العموم وتخصيص المُتَأَخِّر أَوْلى مِن العكس ؛ لأنّ التَّمَسُّك بظاهر اللفظ أَوْلى مِن التَّمَسُّك بكنايته ، وهذا يُعَدّ مُرَجِّحًا لِلتَّمَسُّك بالعموم لا لِلتَّوَقُّف .
(1) التمهيد لِلكلوذاني 2/170 ، 171 بتصرف ويُرَاجَع: قواطع الأدلّة 1/423 وشَرْح تنقيح الفصول /224 وشَرْح العضد 2/153
(2) يُرَاجَع: المعتمد 1/283 والمحصول 1/456 والإحكام لِلآمدي 2/336
الوجه الثاني: أنّه إذا دَلّ الدليل على تخصيص الكناية جاز أنْ يَسْتَقِلّ الدليل المخصوص بها وجاز أنْ يَرْجع إلى ما تَقَدَّم ذِكْره ، وحينئذٍ يَكون مشكوكًا فيه ، وحيث إنّ لفْظ العموم مُسْتَقِرّ فلِذا وجب تقديمه على المشكوك فيه (1) .
خامسًا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليّين وأدلّتهم فيما إذا خُصّ أحد العموميْن هلْ يَلْزَم منه تخصيص الآخَر ؟ يُمْكِن التوصل إلى ما يلي: