فهرس الكتاب
الدليل الثاني: أنّ السبب كالعِلّة في ذلك الحُكْم ؛ لأنّه هو المُبَيِّن لِلحُكْم ، والعِلّة تَقْتَصِر على معلولها ، فكذلك العامّ يُخَصَّص بسببه ، فإذا وُجِد السبب وُجِد الحُكْم ، وإذا انْتَفَى السبب انْتَفَى الحُكْم .
مناقَشة هذا الدليل:
وقدْ نُوقِش هذا الدَّليل: بأنّه إذا كان اللفظ مُسْتَقِلاًّ بنَفْسه وهو أَعَمّ مِن السبب صار كعِلّة مُبْتَدَأة تَنْتَظِم أحكامًا ، ثُمّ هو كالعِلّة في مقدار ما يقابِل مِن اللفظ ، وما زاد مِن اللفظ يُعرف حُكْمًا ثانيًا ..
كما أنّ السبب هُنَا ليس مُوجِبًا لِلحُكْم حتى يَكون كالعِلّة فيَرْتَبِط الحُكْم بها وجودًا وعدمًا: كالسرقة والزنا (2) .
الدليل الثالث: أنّ اللفظ العامّ الوارد على سبب خاصّ لو بَقِي على عمومه لَمَا كان لِنَقْل السبب إلينا فائدة ، ولكنّ الثابت تدوين هذه الأسباب ، فدَلّ ذلك على أنّ اللفظ العامّ يجب قَصْره على سببه ؛ وإلا لَمَا كان لِذِكْره فائدة .
مناقَشة هذا الدليل:
وقدْ نوقش هذا الدليل مِن وجْهيْن:
الوجه الأول: أنّ دليلكم إنّما يَكون مقبولًا إذا كانت الفائدة محصورةً في تخصيص الحُكْم ، وليس كذلك ؛ وإنما فائدته مَنْع تخصيصه بالاجتهاد ومعرفة أنّه نصّ فيه .
الوجه الثاني: أنّ ذِكْر سبب الحُكْم مِن أَجَلّ فوائده ـ أيضًا ـ أنّه قرينة على
(1) تُرَاجَع المَراجع السابقة .
(2) يُرَاجَع: التمهيد لِلكلوذاني 2/166 وقواطع الأدلّة 1/402
فَهْم المراد ، ولِذا كان حَصْر فائدة ذِكْر السبب في تخصيص العموم غيْر مقبول ومردودا (1) .
والراجح عندي: أنّ خصوص السبب لا يُخَصِّص عموم اللفظ ، وهو ما عليه الجمهور أصحاب المذهب الأول ؛ لِمَا يلي:
1-قوّة أدلّتهم ، وسلامتها مِن المناقَشة والاعتراض .
2-ضَعْف أدلّة المذهب الثاني ، وعدم سلامتها مِن المناقَشة .