الصفحة 47 من 267

مثاله: قوله - صلى الله عليه وسلم - { إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَث } (3) مع قوله - صلى الله عليه وسلم - { إِنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلاَّ مَا غَيَّرَ رِيحَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَه } (4) ..

فالحديث الأول أفاد بمنطوقه عدم حَمْل الخبث لِلماء الذي بَلَغ قُلّتيْن ، وأفاد بمفهومه أنّه يَحمل الخَبَثَ إذا لم يَبْلغهما ، والحديث الثاني أفاد بمنطوقه أنّ الماء مُطْلَقًا ـ بَلَغ قُلّتيْن أو لم يَبْلغ ، جارٍ أم راكد ـ لا يُنَجِّسه شيء إلا ما غَيَّر طَعْمه أو ريحه أو لوْنه ، وهذا المنطوق ـ وهو عدم حَمْل الماء وإنْ قَلّ عن قُلّتيْن الخبث إلا بشَرْطه المتقدِّم ـ عارَض المفهوم المخالِف لِلحديث الأول ، وهو أنّ الماء إذا لم يَبْلُغ قُلّتيْن حَمَل الخبث ..

ولِذا جَمَع الشّافعيّة بيْنهما بقَصْر المنطوق ( الماء ) على الجاري ؛ لأنّه وَرَد في بئر بضاعة وكانت تجري في البساتين ، وقَصْر المفهوم ( عدم

(1) ومفهوم المخالَفة هو: أنْ يَكون المسكوت عنه مخالِفًا لِلمذكور في الحُكْم إثباتًا ونفيًا ، ويُسَمَّى"دليل الخطاب".. شَرْح العضد مع المختصر 2/173

(2) يُرَاجَع: الإبهاج 2/123 ومناهج العقول 2/78

(3) أَخْرَجه النسائي في كتاب الطهارة: باب التوقيت في الماء برقم ( 52 ) وأبو داود في كتاب الطهارة: باب ما يُنَجِّس الماء برقم ( 58 ) وأحمد في مُسْنَد المُكْثِرين مِن الصحابة برقم ( 4376 ) ، كُلّهم عن عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما .

(4) أَخْرَجه ابن ماجة في كتاب الطهارة وسُنَنها: باب الحياض عن أبي أمامة - رضي الله عنه - برقم ( 514 ) .

بلوغ القُلّتيْن ) على الماء الراكد ، وقالوا: إذا لم يَبْلُغ الماء قُلّتيْن وكان جاريًا لم ينجس إلا بالتغيير ، وهو القول القديم ، واختاره الغزالي وجماعة منهم البيضاوي رحمهم الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت