فهرس الكتاب
الوجه الثاني: أنّ الروايات التي نُقِلَت عن ابن عباس رضي الله عنهما وإنْ كان لَفْظها اسْتَعْمَل النسخ إلا أنّ مَعْنَاه قَصْر لِحُكْم نكاح المُشْرِكات في قوله"نُسِخَ مِنْ ذَلِك"، وهذا هو التخصيص بعَيْنه ؛ لأنّ النسخ رَفْع لِلحُكْم وهُنَا لم يُرْفَعْ إلا بعضه .
الدليل الثالث ( دليل الجواز ) : أنّه إذا اجْتَمَع نَصّان مِن الكتاب أحدهما عامّ والآخَر خاصّ وتَعَذَّر الجَمْع بَيْنهما: فإمّا أنْ يُعْمَل بالعامّ أو الخاصّ: فإنْ عُمِل بالعامّ لزم منه إبطال الدليل الخاصّ مُطْلَقًا ، وإنْ عُمِل بالخاصّ لا يَلْزَم منه إبطال العامّ مُطْلَقًا ؛ لإمكان العمل به فيما خرج عنه ، فكان العمل بالخاصّ أَوْلَى ، ولأنّه أَقْوَى في دلالته ، ولِذا كان القول بتخصيص الكتاب بالكتاب أَوْلى مِن العمل بالعامّ وتَرْك الخاصّ ، ولأنّ فيه إعمالًا لِلنَّصَّيْن دون تَرْك أحدهما (1) .
الدليل الرابع ( دليل الجواز أيضًا ) لِلباحث: أنّ تخصيص الكتاب بالكتاب لا يَتَرَتَّب على فَرْض وقوعه مُحال عقلًا ، وكُلّ ما لا يَتَرَتَّب على فَرْض وقوعه مُحَال كان جائزًا ، ولِذا كان تخصيص الكتاب بالكتاب جائزًا ، وهو المُدَّعَى .
المذهب الثاني: جواز التخصيص إنْ كان الخاصّ متأخِّرًا وموصولًا بالعامّ وإنْ كان متراخيًا نَسَخه ، وإنْ جُهِل التاريخ تَسَاقَطَا ونَتَوقَّف .
(1) الإحكام لِلآمدي 2/318 بتصرف .
وهو ما عليه الحنفيّة العراقيّة ، واختاره القاضي أبو بَكْر رحمه الله تعالى .
واحْتَجّوا لِذلك بأدلّة ، أَذْكُر منها ما يلي:
الدليل الأول: أنّه إذا قيل"اقتل زيدًا المُشْرِك"ثُمّ قال"لا تَقْتُل المُشْرِكين"فكأنّه قال"لا تَقْتُلْ زيدًا إلى آخِر الأفراد المُشْرِكين"، وهُنَا تَقَدَّم الخاصّ وتأخَّر العامّ الذي نَسَخ حُكْم الخاصّ المُتَقَدِّم والمُعارِض له ..