فهرس الكتاب
2-أنّ المذهب الثاني ـ المُجَوِّز لِلتخصيص إنْ كان الخاصّ متأخِّرًا وموصولًا بالعامّ ، والمانع له إنْ كان متراخيًا أو جُهِل تاريخاهما ـ أَرَاه كذلك بعيدًا عن القبول والترجيح ؛ لأنّهم جَعَلوا الخاصّ المتراخِي عن العامّ ناسخًا وليس مُخَصِّصًا لِعمومه ، وفيه نظر ؛ لأنّ النسخ رَفْع لِلحُكْم ، وحُكْم العامّ في هذه الحالة بَعْد القول بأنّ الخاصّ ناسِخ له باقٍ منه ما فَوْق الخاصّ ، ولِذا كان حَمْله على التخصيص مناسِبًا وليس النسخ ، كما أنّ أدلّة هذا المذهب جميعها لم تَسْلَم مِن المناقَشة والاعتراض .
3-أنّ المذهب الأول المُجَوِّز لِتخصيص الكتاب بالكتاب مُطْلَقًا ـ عُلِم تَقَدُّم العامّ أو الخاصّ أو جُهِل تاريخاهما ـ هو الأَوْلى بالقبول والترجيح ؛ لِمَا يلي:
أوّلًا: كثرة أدلّة الوقوع في القرآن الكريم ، وهذه أَقْوَى الأدلّة على الجواز .
ثانيًا: سلامة أدلّته مِن المناقَشة والاعتراض .
ثالثًا: ضَعْف أدلّة وحُجَج المذْهبيْن الثاني والثالث وعدم سلامتها مِن المناقَشة والاعتراض .
المطلب الثاني
تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة (1)
بَعْد الوقوف على هذه المسألة عند الأصوليّين والبحث عن حُكْمها في مَراجعهم اتَّضَح أنّ بعضًا منهم ـ إنْ لم تَكُن الكثرة (2) ـ لم يَتَعَرَّضوا لِبَحْثها وإنّما تَعَرَّضوا لِتخصيص الكتاب بخبر الآحاد (3) ، وذلك ـ فيما أَرَى ـ إمّا لأنّهم يَعْتَبِرون تخصيص الكتاب بالسُّنَّة المتواترة في حُكْم المُتَّفَق عليه ، وإمّا لِقِلّة ورود المتواتر في السُّنَّة المطهّرة ، وإمّا لأنّه إنْ ثبت تخصيص الكتاب العزيز بخبر الآحاد لَثَبَت تخصيصه بالسُّنَّة المتواترة مِن باب أَوْلى .
وفي ذلك يقول ابن الحاجب رحمه الله تعالى:"يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، وقال به الأئمّة الأربعة ، وبالمتواتر اتِّفاقًا"ا.هـ (4) .