فهرس الكتاب
لكنْ ما المانع أنْ يثبت الحُكْم بالمقتضى كما أثبتم لِلمفهوم وهو ليس لفظًا ؟ ولِذا جعَله الإمام الشافعي كالمنصوص ؛ لأنّه ثابت به ، فكان مِثْله (1) .
الدليل الثاني: أنّ الإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إليه إلاّ لِضرورة ، ولَمّا كان الكلام لا يصحّ أو لا يصدق إلا بإضمار واحد ، وبه تندفع الضرورة ، فما زاد عن الواحد لا حاجة إليه إلا بدليل ، فدَلّ ذلك على أنّ إضمار جميع التقديرات عملًا بعموم المقتضى فوْق الحاجة ، فلا يجوز (2) .
مناقَشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّ إضمار أحد التقديرات بغيْر دليل تَحَكُّم ، وليس بأَوْلى مِن إضمار غيْره ، ولَتعددَت بذلك الإضمارات تبعًا لاختيارات المجتهِدين كما ذهب الآمدي ..
ولِذا .. فإمّا أنْ لا يضمر حُكْم أصلًا ، وهو غيْر جائز .
وإمّا أنْ يضمر الكُلّ ؛ عملًا بعموم المقتضى ، وهو المطلوب (3) .
المذهب الثاني: عموم المقتضى .
وهو ما عليه أَكثَر المالكية والحنابلة ، واختاره الإمام الشافعي رحمه
(1) يُراجَع: البحر المحيط 3/155 وأصول البزدوي مع كشْف الأسرار 2/441
(2) يُراجَع: شرْح اللمع 1/358 وكشْف الأسرار لِلبخاري 2/441 وبيان المختصر 2/176 والإحكام لِلآمدي 2/230 ، 231
(3) يُراجَع المحصول 1/390
الله تعالى (1) .
واحتَجّوا بأدلة ، أَذكُر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَان } ..
وجْه الدلالة: أنّ لفْظ الحديث يدلّ بالحقيقة على رفْع مفهوم الخطأ والنسيان عن الأُمَّة ، وهو غيْر مستقيم إلا بإضمار تقدير في الكلام ، وأَقرَب مَجاز إلى رفْع الخطأ والنسيان عن الأُمَّة عموم رفْع أحكامهما ؛ لأنّ عدم جميع أحكام الخطأ والنسيان أَقرَب إلى عدم الخطأ والنسيان مِن عدم بعض أحكامهما ، ولِذا الحَمْل على المَجاز الأقرب هو الأَوْلى ؛ عملًا بعموم المقتضى .
مناقَشة هذا الدليل: