فهرس الكتاب
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّ الإضمار خلاف الأصل ، وهو متحقِّق بإضمار البعض ، وهو الإثم والمؤاخَذة ، فإضمار عموم رفْع أحكامهما زيادة بغيْر حاجة ، ولِذا كان إضمار البعض أَوْلى ، وهو أَقرَب إلى الحقيقة .
الدليل الثاني: إذا قيل:"ليس في البلد سلطان"فُهِم منه نَفْي جميع الصفات السلطانية مِن العدل والسياسة وإنفاذ الحُكْم وغيْرها ، ولولا أنَّه يقتضي العموم لَمَا فُهِم منه ذلك .
مناقَشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل مِن وجوه:
الوجه الأول: أنّ هذا مثال جزئيّ لا يُثبِت حكْمًا كُلِّيًّا ، بل ذلك بعرف
(1) يُراجَع: المختصر /111 وشرْح الكوكب المنير 3/197 وميزان الأصول /307 وفواتح الرحموت مع مُسَلَّم الثبوت 1/294
خاصّ فيه ، فلا يقاس عليه ، والقياس في العرف غيْر جائز كالقياس في اللغة .
الوجه الثاني: أنَّه يجوز أنْ يَكون هذا المثال مِن عموم المقدّر ، أيْ صفة
لِلسلطان ، لا مِن عموم التقديرات ، فلا يدلّ على جواز عموم التقديرات .
الوجه الثالث: أنّا نمنع الملازَمة ، وهي فهْم نَفْي جميع الصفات عند هذا القول ، بل المفهوم منه نَفْي مَن يَجمع هذه الصفات على طريق استعمال السلطان فيه مَجازًا مِن قَبِيل الاستعارة تشبيهًا لِلجامع بيْن هذه الصفات بالسلطان ، لا أنّ ها هنا تقديرًا لِمَن يَجمع الصفات حتى يَردّ عليه أنَّه قد لزم حينئذٍ ـ أيضًا ـ كثرة التقديرات ؛ فإنّ المقدّر حينئذٍ مَن يجمَع صفة السلطان وصفةً أخرى له (1) .
والراجح عندي بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليّين في عموم المقتضى وأدلّتهم: أنْ يُحمَل المقتضى على عمومه ؛ لأنّه ثابت بالنَّصّ ، فحُكْمه حُكْمه ، وهو ما ذهب إليه إمامنا الشافعي رحمه الله ، وعليه أصحاب المذهب الأول ..
غيْر أنّي أرى نَفْي العموم عن المقتضى إنْ وُجِدَت قرينة لِحَمْل المقتضى على أحد المقدّرات ..