فهرس الكتاب
يضاف إلى ذلك أننا سلمنا أنه متى رسخ مركز الحكام لزم أن يحلوا جنودهم في مساكن مقررة الأوصاف، ولا يباح فيها، حسب قرارنا، مُلك شخصي، بل تكون ملكًا مشاعًا للجميع. وقد قررنا تحديد حال البيوت، إذا كنت تذكر، إلى أي حد تأذن لهم أن يقولوا عن شيء ما إنّه ملكهم الخاص... إننا قررنا أن لا يمتلك أحدهم ثروة... وجزمنا أنه يحق لهم كحكام وجنود أن يتناولوا من الأهالي رواتب سنوية مقابل حكمهم. وأن يحصروا جهودهم في السهر على أنفسهم وعلى المدينة" (44) . ورغم كل الصعوبات التي سيثيرها تطبيق هذا النظام المخالف في بعض تصوراته لطبيعة البشر، ومخالفته لما تعارف عليه الناس في حياتهم، فإن أفلاطون مع اعترافه بالصعوبات سيقول إن إقامة مثل هذه الدولة ممكنة في حال وصول فيلسوف إلى السلطة"إن نظريتنا في الدولة والنظام ممكنة التطبيق، وليست مجرد رغبة، وإن يكن تحقيقها صعبًا. ويقوم إمكان تحقيقها بوسيلة واحدة، وهي أن تناط السلطة التامة في الدولة بفيلسوف واحد يشعر شعورًا عميقًا بخطورة الحق والشرف الناشئ عنه، ويحتقر الفخفخة احتقارًا شديدًا، ويعتبر العدالة أسمى الواجبات وأحقها، فيُجْرِي ـ كخادم ومحب مخلص للعدالة إصلاحًا كاملًا في دولته" (45) . إنها أحلام أفلاطون التي بشّرت بالحاكم الصالح، أو توقّعت ظهوره، ومهدت لكثير من الديكتاتوريات التي حكم عليها أفلاطون بأنها أسوأ أنظمة الحكم في العالم، فادعى قبل أفلاطون وبعده كثير من الحكام بأنهم حكماء وفلاسفة، بل ويمتّون بصلة للآلهة. ولكن برنامج الحكام الصالحين والمطلقي الصلاحية لم يتغير، وعجزت حكمتهم التي زعموا امتلاكها عن إقامة أي دولة صالحة، وضاعت أحلام أفلاطون في الهواء، حين لم يصل هذا الملك، أو الحاكم، الفيلسوف إلى موقع القيادة في بلاد اليونان أو في غيرها طوال التاريخ."