فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 598

يهزّ رأسه لدى سماع هذه الأقوال هزّة الإنكار، مصرًّا على أنّ الشهوات كلّها متماثلة، وتلزم رعايتها على السواء.. فيعيش يومًا فيومًا، يساير الشهوة الطارئة ـ آونة يشرب على نغمات الموسيقى مع مزاولة التمارين الرياضية ـ وآونة يكسل فيهمل كلّ شيء، ثمّ يعيش عيشة طالب الفلسفة، ويغلب أن يشترك في المصالح العموميّة وينهض إلى الخطابة، مدفوعًا إليها بعامل حالي، وتارةً يقتفي خطوات كبار القوّاد، متهافتًا على امتيازاتهم، ثمّ يتحول تاجرًا حسدًا منه للتجّار الناجحين. وليس في حياته نظام ولا قانون رادع. بل يعكف على مسرّاته، وحريّته وسعادته، إلى نهاية الحياة" (62) . أليس هذه هو السلوك الذي ستصل إليه كلّ أنظمة الحرية في العالم، سواء في اليونان القديمة، أو في عصرنا الراهن..؟ لنقرأ هذا الوصف للمجتمع الأمريكي الذي لا يختلف في تفاصيله عمّا كان عليه الحال في جمهوريات اليونان الحرّة قبل ثلاثة آلاف عام تقريبًا. يقول هامش ماكري:"إنها لصورة كئيبة للمجتمع الأمريكي تلك التي رسمها أليستركوك، المذيع المحنّك البريطاني المولد، والذي قد عاش في الولايات المتحدة لعدّة سنوات. إنَّ مشكلة أمريكا كما يزعم، لم تكن ناجمة عن فشل اقتصادي، حتّى ولا عن الفكرة التي روَّجها بول كينيدي والقائلة:"بترهّل الإمبريالية"ولكنها ناشئة عن التفسّخ الأخلاقي. إنّ معدل الجريمة تتجاوز بانتظام السنوات الماضية ما عدا الأسوأ منها. والجرائم العشوائية في الشوارع تضاهي ما ورد في مدّونات القرن الثامن عشر. كما تشكل المخدرات وباءً يضرب جميع طبقات المجتمع وجميع الأعمار. وقد صحونا لِتَوِّنا لنكتشف أنّ نظام التربية والتعليم في أمريكا كان لوقت طويل، وربّما لعدة عقود، يعتمد معايير متساهلة ومضطربة، بحيث أنّ أقلية كبيرة على الأقل وربّما أغلبية من خريجي المدارس الثانوية هم أنصاف متعلمين..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت