فهرس الكتاب
ومن يخضع نفسه إزاء هذا الطلب لفحص ضميرٍ جاد، فسيكتشف بلا أدنى ريب أنه يَعِدُّ الفعل الجنسي في دخيلة نفسه، ورغمًا عن كل شيء، فعلًا محطًّا لا يلطخ ولا يلوث الجسم وحده" (71) . سيباح كلّ شيء، لأنّ السعادة هي أهمّ هدف يجب أن يسعى إليه الإنسان.. السعادة السهلة التي لا تحتاج إلى عناء. لماذا؟ لأنّ"المذاهب الدينية جميعها أوهام" (72) . حسب رأي فرويد، وإذا كان لا يوجد جزاء ولا ثواب ولا آخرة، وإذا كانت حياة الإنسان هي هذه الحياة الدنيا، فلماذا لا يعيش حياته متحررًا من قيود العقل والأخلاق والدين..؟ لماذا لا يستثمر فرصة الحياة التي لن تتكرر في البحث عن متعه الخاصة...؟ نعم هذا هو المجتمع الذي ستكون فيه الحرية وثنًا يُعبد، وسيكون من المباح باسمها وتحت رايتها ممارسة أي فعل والإقدام على أي تصرف، وتشويه الأخلاق، ورفض الحكمة وإدانة العقل، لأنه في عالم الحرية لا توجد حدود وضوابط للانحدار، ولهذا ستبدو الحكمة والعقلانية فقط شذوذًا، وإذا ما جَنَّ المجتمع فما هي فائدة العقل ومن سيصغي إليه؟ وما هو المصير الذي سيؤول إليه هذا المجتمع؟ يقول أفلاطون:"الذين لم يتعرّفوا الفضيلة والحكمة، ويقضون الحياة في الولائم وأمثالها من أنواع الانهماك قد سفلوا... ولمّا كانوا لا يتجاوزونها فإنّهم لا ينظرون أو يرتفعون إلى العلل الحقيقية. ولم يمتلئوا قط باللذة الحقيقية، ولا ذاقوا لذّة حقيقية صرفًا، بل هم كالسائمة ينظرون أبدًا إلى أسفل، ورؤوسهم إلى الأرض، يدنونها من موائد الطعام، حيث يشبعون ويسمنون ويلدون. ولكي يسدّوا شهوتهم البالغة بهذا التمتع يرفسون بعضهم بعضًا بأظلاف حديدية ويتناطحون بقرون حديدية، حتى يقتل بعضهم بعضًا بتأثير الشهوات الشرهة، لأنهم قد ملأوا قسم طبيعتهم الشهواني غير الحقيقي بأشياء غير حقيقية" (73) . هل قامت الحربان العالميتان، وكثير من الحروب قبلهما وبعدهما إلا لهذه الأسباب..؟ من أجل المال والشهوات."