فهرس الكتاب
وهل كان المحرّضون على هذه الحروب يحملون أي رسالة للعالم غير الرغبة في السيطرة والرفاهية المادية؟. لقد أدرك أفلاطون النتائج الطبيعية لمثل هذه الحرية المستهترة بالقيم والأخلاق التي ستدفع قادتها إلى العدوانية والحروب في الداخل والخارج، وشاهد بأيّ قرونٍ ستتناطح هذه القوى، وتوقع نهاية هذه الأنظمة وما ستؤول إليه. فالحرية المطلقة ستقود إلى الاستبداد المطلق. فالذين سلبتهم الحرية كلَّ شيء سيبحثون عن زعيم شعبي"إذ تقضي الضرورة على المسلوبين- أي من سلبت أموالهم- بالتزام خطة للدفاع عن أنفسهم بالخطب في جماهير العامة" (74) . فالعامة الذين سيشكلون الأكثرية في مجتمع الحرية سيبحثون عن مُدافع عن حقوقهم، إذ"من عادة العامة اختيار بطل خاص يُوَلّونه قضيتهم" (75) . وعندما سيظهر هذا البطل المغامر وينجح، سيكون قد صار موضع ترحيب، وهكذا ستبدأ أولى خطوات الديكتاتورية بالظهور. ومع الوعود التي سيطلقها للجماهير المحرومة ضد الفئات المالكة، وما سيفعله من"إلغاء الديون، وتوزيع الأراضي على العموم، ولاسيما على أتباعه" (76) . سيرتفع إلى مستوى القداسة في أعين الجماهير، وهذه المكانة التي سينالها ستساعده بعد البطش بخصومه الأثرياء من القضاء على كلِّ معارض من الأصدقاء"فإذا رام الطاغية أن يستتب له الأمر، وجب أن يُنْحّي كل هؤلاء من طريقه، فلا يُبْقِي على ذي جدارة من أعدائه ولا من أصدقائه... فيرقبهم مدققًا، ليرى من فيهم رجل، ومن كريم النفس، ومن نبيه، أو غني. ولحسن حظه أنه إن أراد أو لم يرد، فالضرورة قاضية عليه أن يكون عدوًّا للجميع. وأن يكيد لهم حتى يُطَهِّر المدينة منهم.. نعم فإنه يفعل ضدّ ما يفعله الأطباء في تطهير الأجسام، أولئك يُخرِجُون من الجسم المواد الفاسدة ويبقون الجيدة، أمّا المُسْتبدُّ فيخرج الجيد ويُبقي الفاسد..."