فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 598

فهو مُقَيّد بأقصى ضرورة، إمّا أن يعيش بين أشخاص منحطين، أكثرهم عديم النفع، ويكون مكروهًا منهم، أو إنه لا يعيش" (77) . إنّ طبيعة المُسْتبد لن تسمح إلاّ للطفيليين بالعيش معه، الذين يحسنون كيل المديح لكل ما يفعل. وبهذا المديح سيصاب المُستبد بجنون العظمة"ونعلم أنَّ مَنْ جَنَّ، واختبل عقله، يحلم ويسعى إلى أن يسود الناس والآلهة أيضًا" (78) . وفي هذه الحالة سيعيش متحررًا من كل قيدٍ، وستصيبه أمراض الحرية المطلقة، وسيكون"ديدنه من ثمّ الولائم والأفراح والحفلات والحظايا، وكل ما هو من هذا النوع، وصحبته أناس خضعت عقولهم خضوعًا تامًا للشهوات المستبدة في داخلهم" (79) . وهكذا"إنّ أشدّ حرية وأعظمها تضع أسس أشدّ استبداد وأثقله" (80) . فالحرية التي ستخلق الفوضى والبؤس ستسلم نفسها في نهاية المطاف للديكتاتورية. ما هو الحل إذا كان هذا هو مصير كل الأنظمة التي يصنعها البشر ـ طفولة فشباب فكهولة وموت ـ، كما رأى أفلاطون، واستنتج ابن خلدون في تاريخه. سيحيلنا أفلاطون، في نصٍ غريب يدعو إلى التأمّل والحيرة، إلى الشريعة الإلهية لبناء النظام الأفضل، سيقول"إنّ الأفضل للإنسان أنّ يحكمه مبدأ إلهي عادل. ويجب أن يكون ذلك المبدأ في داخله إذا أمكن، وإلاّ فرض عليه الحكم من الخارج ـ أي بالقوّة ـ ليسود التلاؤم علاقاتنا الاجتماعيّة باعترافنا بسيادة واحدة عامّة. وغرض العادل الخاص حفظ التلاؤم بين الظاهر والباطن، وهو الذي يفرغ نفسه في قالب الجمهوريّة الكاملة، ولاشك، توجد في السماء إن لم يكن على الأرض" (81) . إنّ السؤال المحيّر الذي يفرضه علينا هذا الرأي، هو هل كان أفلاطون يشعر بأن جمهوريّته، التي اقترحها، تستمدّ شريعتها وأحكامها من وحيٍّ إلهي؟. وكان كتاب الجمهوريّة محاولة نظريّة لإنزال ما في السماء إلى الأرض، أي أنّ الجمهوريّة نظام سماوي قبل أن يكون أرضيًّا."

عالم العقل وعالم الروح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت