فهرس الكتاب
إنّنا لا نستطيع أنّ نميّز بين ما كان في الجمهوريّة أو في كتب أفلاطون الأخرى، من عالم العقل أومن عالم الروح إلاّ إذا فهمنا الفرق بين العالمين، والفرق بين المعلومات الصادرة عن كل منهما. وإنّنا باختصار سنذكّر بأهمّ مزايا معلومات كل من العالمين لتبيين الميزان الذي سنزن به مستوى العلوم الأفلاطونية ومراحل تطوّرها ومصدرها. وهذا ميزان يمكن أن نستخدمه للتحقّق من صحة كل معرفة روحيّة. فما هي مزايا المعرفة الروحيّة؟.
1 ـ إن ّالمعرفة الروحيّة تعتمد على توجّه الإنسان إلى الله للحصول على المعلومات، حيث ستنتهي مهمّة الإنسان عند ضبط هذا التوجّه وتحقيقه بالسلوك المعروف، وانتظار التلقّي من الله. ولهذا ستظل أيّ معلومات يطلبها السالك بيد المرسل أي الله، لا بيد المستقبل، ولذا لا يستطيع الواصل أن يعرف كل ما يريد، وستظل معلوماته مستمدّة من العقل ومن الروح، حتى وصوله إلى مقام العبوديّة. فإذا وصل، لا ينطق إلاّ من الروح.
2 ـ إنّ المعلومات الصادرة عن العقل تخطئ وتصيب، أمّا المعلومات الصادرة عن الروح فإنّها لا تخطئ أبدًا. وبهذا الميزان نستطيع أن نميّز بين معلومات أفلاطون الروحيّة والعقليّة، أو غيره من العارفين. ولكن هذا التمييز لا يعرفه إلاّ الخبير. وإنّنا لا نعني بهذا الحكم إنكار صحّة أحكام العقل أحيانًا.
3 ـ إنّ معرفة عالم العقل تتعلّق بالظاهر من العالم، أمّا المعرفة الروحيّة فإنّ تعلقّها بباطن العالم، والعالم الظاهر بالنسبة للروح هو جسر للعبور إلى الحقائق، وبالنسبة للعقل هو حجاب لا يستطيع اجتيازه.