فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 598

إنّ ما نستطيع أن نستنتجه بتطبيق هذه المقاييس على فكر أفلاطون بشكل عام والجمهوريّة بشكل خاص يدلّنا بأنّ أفلاطون كانت له إطلالات على عالم الروح إلاّ أنّه لم يتمكّن كلّ التمكّن، وظلّ في تأرّجح بين عالمه العقلي وعالمه الروحي. ومن هنا جاءت الجمهوريّة لبشر يعيشون في عالم غير الأرض، ولبشر لا تشبه حياتهم حياتنا. نعم إنّ الجمهورية نظام سماوي إلى حدٍّ كبير، ولهذا لا تصلح لأن تكون نظامًا لكوكب موارده محدودة، وسكّانه لا يمكن أن يبلغوا الرقيّ الروحي الذي تحتاجه مؤهّلات الروحانيين، بسبب تفاوت الجهود البشريّة المبذولة من أجل المعرفة. وفي الأرض لابدَّ من تذوّق الحب الإنساني للانتقال من الصورة إلى المعنى. ولابدّ من الأسرة والأولاد لإدراك العلاقة بين الله والإنسان من خلال العلاقة بين الآباء والأبناء، أي الحب الطاهر الذي أساسه العطاء بلا حدود. إنّها طبيعة الحياة وتجلّي الحقائق الإلهية في الصور الماديّة، لتحريك المشاعر وإيصال المعاني إلى القلوب. فإذا قطعنا هذه الصلات فإنّنا سنكون مثل الذي يطالب الطفل بتصوّر معنى الأبوّة وهو غير مؤهّل لها كأب وإنّما كابن. ثمّ إنّنا في عالم الأرض نشاهد بالحواس ولهذا نرغب في مشاهدة من نحب بالعين، وهذه قوانين الأرض التي لا نستطيع أن نتجاوزها حتى لو أردنا، بينما في عالم الروح نشاهد بالبصيرة، ولا يوجد بالنسبة للبصيرة مسافات أبعد أو أقرب، ولهذا لا يغيب عنّا من نحبّ عندما نريد، ولا يختفي الأولاد حتّى لو اختفوا. ثمّ إنّ أفلاطون ناقض نفسه عندما اقترح قتل الأولاد الذين ولدوا بشكل غير شرعي. فما هو ذنبهم بميزان العدل؟. كما أنّه أخطأ عندما اقترح وضع نظامين للتعليم والرعاية، نظام لأبناء الأخيار، ونظام لمن هم في مستوى أدنى. فالعدل يفرض علينا أن نسأله ما ذنبهم؟، ونظريّته في المعرفة الإنسانيّة تتناقض مع حكمه على أبناء الأشرار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت