فهرس الكتاب
فإذا كان قد دافع عن رأيه القائل بأنّ كل إنسان مؤهّل بطبيعته للمعرفة، وبأنّ المعلّم هو كالولاّدة التي تساعد على توليد ما يعرفه الإنسان وإظهاره، بنقله من الوجود بالقوّة إلى الوجود بالفعل، وقد دافع عن هذا الرأي في"الثئيتتس"كما في الجمهوريّة"وقد أعلن في الجمهوريّة أنّ التعليم في حقيقته ليس إيلاج معرفة ما في النفس، غريبة عنها، وإنّما إعادة توجيه الروح... وردّ إلى خط النور" (82) . وهذه الحقيقة تطابق الوحي القرآني { وعلّم آدم الأسماء كلّها } (البقرة/31) فكيف ولماذا وعلى أيّ مقياس وميزان اعتمد لكي يحكم على أطفال بالقتل، وأطفال بالإهمال؟. وما هي أسباب هذا التخبّط الأفلاطوني، أليس لأنّ عالم العقل الذي يخطئ هو الذي استمدّ منه أفلاطون أغلب أفكاره، فاقترح بعد الجمهورية أنظمة متعددة للدولة تختلف في تنظيمها عما اقترحه في كتابه الجمهوريّة، ممّا يدل إلى أنّه لم يتوصّل إلى تصوّر النظام الأمثل بشكل مؤكّد ولو نظريًّا. ولهذا كان لابدّ من إعادة النظر في جمهوريّته وآرائه كلمّا تعمّقت تجاربّه، وتغيّرت مفاهيمه الفكريّة. وهذا ما لاحظه محقّق نص"التِيْمئس"المترجم للعربيّة بعنوان"طيماوس"الأستاذ"ألبير ريفو"من أكاديميّة الفلسفة بباريس. فقال"في الفن الأفلاطوني، مهما بلغ من دقّة المنهج وعمق التفكير، قسط لا يجبر من الحريّة والارتجال، يفوت دومًا حكم العلماء المنقبين وحكمهم بالطبع محدود. ومع ذلك، فلا يقدر المرء أن يمتنع عن إبداء هذه الملاحظة: يُستغرب أن يكون أفلاطون قد وصف نظام الدولة المثلى، على أوجه تختلف ذلك الاختلاف كلّه؟ فالجمهورية والشرائع واكْرِتيسَّ ومقاطع من السياسي تعرض لنا ضروربًا متباينة من المثال الأفلاطوني. وهذا التباين بالذات نلفيه بين علم التيمئس الطبيعي ونفس العلم في الباب العاشر من كتاب الشرائع. ألا يعني ذلك أنّه يستحيل في نظر أفلاطون أن يخطّ للدولة مخطط لا يتغير" (طيماوس- 83) .