فهرس الكتاب
وكما تبيّن لنا عجز أفلاطون عن فهم الألوهيّة، كذلك سيعاني في فهمه أمام الروح، وسيكون له آراء متباينة حولها، مع أنه ربما كان أول فيلسوف تحدث عنها كحقيقة مستقلة عن العقل، أو وراءه، وإن كنّا نقدّر بأنّ أفلاطون قد تلقّى هذا التعليم من أستاذه سقراط، الذي كان له قدر من التلقي الأقدس، كما تدل عليه صلابة إيمانه أمام القضاة، وأخباره التي نقلها أفلاطون. وهذا التلقي كما بيّنا لا يمكن أن يحدث إلاّ بالروح. ولا شكّ أن الأستاذ قد نقل إلى تلميذه هذه المعرفة عندما رآه مؤهلًا لها. وقد ظهر لنا بدلالة حديثه عن الرؤيا أن أفلاطون قطع مسافة في عالم الروح، ولكنه لم ينجح في متابعة الطريق، ولهذا تاه واحتار في فهمها. وهذا ما سيلاحظه الأستاذ البير ريفو"إنّ أفلاطون هو ربما أول من طرح مشكلة اتحاد الروح بالجسد. فكما أنها تظهر في مظهرين متباينين، فهي مزمعة أن تتحد به أيضًا على وجهين متميّزين. والروح بصورة عامة إنّ كانت أقدم من الجسد وأكمل، فهي لا تختلف عنه في الجوهر. فتركيب جسم العالم مثلًا هو أقل نقاءً فقط من تركيبها. بيد أنها تتضمن عين العناصر المكوِّنة، إذ يكمن في الروح ذاتها جوهر الأجسام القابل التقسيم. وبالتالي يشبه اتحاد الروح بالجسد ضربًا من الخليط، تخلط فيه عناصر كيميائية متجانسة. على أن العقل، ومنشؤه إلهي، يعارض الجسد وفي آنٍ واحد الأقسام السفلى من الروح. والجسد حيث يلج، هو له سجن ومنفى ومكان محنة، وأيضًا (( عجلة ) )معدة لنقله. لكنه يلبث غريبًا عنها" (93) . هل العقل أدنى من الروح أم أعلى بالقياس إلى صحة المعرفة..؟ لقد ترّكنا أفلاطون في حيرة لأنه في حيرة، ولكن لنتابع تأويلاته ومحاولاته لكشف الحقيقة المستعصية على المعرفة بأدوات العقل. وإننا لجلاء الحقيقة، والكشف عن مواقف أفلاطون المترددة في هذه المسألة، نحيل القارئ إلى نص معاصر لألبير ريفو، استعرض فيه جميع مواقف أفلاطون من مسألة الروح.