فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 598

أمّا روح التغذية، فهي على عكس ذلك، مفصولة أتمّ فصل بحاجب الغشاء الحاجز عن الروحين العلويّتين. إنها مربوطة بسكنها فوق السرّة، كما يُربط البهيم الأعجم إلى معلفه. وليس لها رأي أو تعليل أو فهم. فتلبث من طبعها أبدًا هامدة خاملة. وهي مقرّ شهوة الشرب والأكل والرغبة واللذة والألم. ولكنها تتمكّن، بفضل الصور المرتسمة على سطح الكبد الأملس، بعض التمكّن، من الاتصال بالروح العليا. وهي التي تحبونا بالأحلام والمشاعر المسبّقة وأشكال الوجدان الغامضة الأخرى.

ومجال فعل هذه الروح يتوقّف عند السرّة. إذ ليس من تحتها سوى تضاعيف الأحشاء الملتف بعضها على بعض، وحيثُ ليس من قوّة نفسيّة عاملة على ما يبدو. ومع ذلك، حتى في تلك البُقعة المحرومة نجد روحًا، لا بل كائنًا جديدًا حيًا مستقلًا، مرتبطًا بالمِنى، ومستعصٍ كلّ الاستعصاء على تدخّل العقل.

وبالتالي، يبدو أن هناك فارقًا في الطبيعة بين الروح غير المائتة وبين الأرواح السفلى. فمن جهة مبدأ حركات منتظمة تعرّفها حدود رياضيّة، مبدأ كلّه نظام وكله جمال، ومن جهة وظائف عضوية غامضة بهيمية، كأن الفكر والانسجام قد غربا عنها. بيد أن التواصل لم ينقطع فيما بينها انقطاعًا تامًا. إذ يبقى حتى في أحط الغرائز شبه انعكاس بعيد عن الحياة الأبدية. هذا، ولا يبغي أفلاطون أن يضحّي حتى بأشكال الحياة الدنيا. فكل روح أو نفس لها مجالها الخاص ووظائفها الضرورية. وهناك سنة شاملة على الإطلاق، تفرض على كل تلك الأرواح أن تحافظ على كيانها، وأن تنميه بالممارسة والمثابرة على العلم، إذ بدونها يفسد طبع تلك النفوس وينحطّ لا محالة. والروح الغير المائتة ذاتها تزداد قوة بالترّوض العقلي والتفكير. وهي على عكس ذلك تداني العدم أو تكاد إذا ما استسلمت للأهواء. فخلودنا ليس نهائيًا، وفي وسعنا أن نفقده بتوانينا. ومن ثمّة علينا أن ننمي كلّ أرواحنا على السواء، وأن نعنى كذلك بمواهب جسدنا على اختلافها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت