فهرس الكتاب

الصفحة 151 من 598

وهذا وإن أشار إليه أفلاطون، إلاّ أنه لم يلتزم به لتفسير ما لا يُدرك بغير الروح، وربما توهم أنه امتلك هذا الإدراك والمعرفة، كما حدث ويحدث مع كثير من المفكرين والمتصوفة الذين دافعوا عن قضايا لا وجود لها إلاّ في تخيلهم فبدت إليهم كالحقائق، ومنها اعتقاد البعض بدوران الكون حول الأرض، ورفضهم للفكرة المعاكسة، لاعتقادهم أن هذا الدوران توجبه وتفرضه قناعتهم بمركزيّة الأرض في الكون وكأن مكانة الإنسان في الكون مرتبطة بهذا النوع من الدوران. ولكن إذا كانت أوهام أفلاطون وخياله قد صوّروا له بأنّ ما تخيّله هو الحقيقة، فهل يمكن أن يقع في كل هذه التناقضات دون أن يشعر بذلك؟، ودون أن ينتبه إلى أنّه سيعرّض جميع أفكاره للنقد والسخرية في مجتمع ممتلئ بالفلاسفة والمتفلسفين الذين سيكشفون عن تناقضاته لينالوا منه، وهو الخبير بفنون التوليد والمنطق.

فهل يمكن لأفلاطون أن يقدّم المبرّرات لخصومه للهجوم عليه والنيل منه بهذه السهولة دون أن يدرك حجم التناقضات التي أوقع نفسه فيها، ودون أن يعمد لإصلاحها؟. إنّ مستوى أفلاطون المعرفي يدفعنا للشك في ذلك، وإن كانت نصوصه التي وصلتنا لا تدع أي مجال للشك في عيوبها والثغرات التي فيها. فكيف يمكن أن نوفّق بين ثقتنا بخبرة أفلاطون، ونقص معرفته؟. أو هل يمكن لمن يعرف أن لا يعرف؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت