فهرس الكتاب
هذه الملاحظات التي أبداها النّقاد تدلّنا، بأنّ أفلاطون إضافة لصعوبة معرفة تسلسل كتبه لمعرفة ما تغيّر في أفكاره، تؤيّد أيضًا احتمال ضياع بعضها، ونشر بعضها قبل نضجها. وهذا وإن كنّا لا نتوقّع أن يفعله أفلاطون، إلاّ أنّ تلاميذه فعلوه على الأغلب بعد وفاة أستاذهم. وهذا كلّه سيدخل اضطرابًا كبيرًا على الفكر الأفلاطوني. ولكن الناقد والقارئ مضطرّان للحكم على أفلاطون من خلال نصوصه، وإن كان أفلاطون الحقيقي غير أفلاطون في النص. وإذا أردنا أن نحكم عليه من خلال بعض المعطيات، فإننا نرى بأنّه قدّ شق طريقه إلى النبوّة بأن حاز على علامة منها، كما أشرنا. كما أنّ مثال الكهف والظلال والحقائق تدلّ على معرفة روحيّة عالية، وإن كانت غير مفهومة لكل إنسان. وقد تحدّث عن مثال هذا الموضوع الشيخ محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكيّة. وقد جمعنا أهمّ هذه النصوص في كتابنا"الرؤيا بين الوهم والحقيقة"تحت عنوان"نصوص للشيخ محيي الدين بن عربي عن الرؤيا والخيال". وعند المقارنة بين إشارات أفلاطون إلى الظلال كخيال للحقيقة، وإشارات بن عربي حول هذا الموضوع، سنعرف المستوى الروحي العالي الذي بلغه أفلاطون. وقد اعتبره عبد الكريم الجيلاني من الأحياء الذين لا يموتون لأنّه شرب من ماء الحياة الموجود في مجمع البحرين، كما أنّه هو الذي دلّ الخضر على مكان هذا البحر. وهذه إشارة إلى المعرفة الروحيّة العظيمة التي بلغها أفلاطون، وإن كانت لا تتّفق مع منطق التحقيقات النقديّة والحسابات التاريخيّة لتسلسل الحوادث. وقد أشار الجيلي إلى رمزيّة هذه الحوادث بعد أن روى قصّة الخضر مع أفلاطون لكي لا يظن النّقاد أنّه يحدثّهم عن التاريخ.