فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 598

الفلاسفة العقل، ومصادر أصحاب الإلهام الروح:"إذ الفيلسوف ليس كلّ علمه باطلًا" (103) . وحتى لو علمنا بأنّ الفيلسوف لا دين له فهذا لا يحُوْل دون إصابته في بعض الأمور، كما قال الشيخ ابن عربي:"وأمّا قولك: إنّ الفيلسوف لا دين له، فلا يدلّ كونه لا دين له على أنّ ما عنده باطل. وهذا مدرك بأول العقل عند كلِّ عاقل" (104) . فكيف سيكون حكمنا على أفلاطون وهو من الذين آمنوا بالله، وسعوا ما وسعهم إلى إقامة دولة الإيمان، وإن أخطأ الطريق، فيما ظنَّ صلاحه من شرائع لهذه الدولة.وإذا كان أخطأ فيما اقترحه من مشاعيّة النساء والأولاد، وإن لم يكن هدفه نشر الرذيلة والفساد في المجتمع. فقد تبيّن لنا من رأيه في الحب، أنّ العلاقات الجسدية كانت عنده محتقرة إلى درجة أنه اعتبرها مُحطّة بمكانة الإنسان، ولا تصلح لأنْ تكون هدفًا للإنسان العاقل، ولا يليق بها أن تظهَر في النهار، ولهذا حرّم كلّ ما يثير الغرائز من شِعر أو موسيقى. وجعل تربية الإنسان على حبِّ الخير الأسمى هدفًا لكلِّ دولة صالحة، وباقي التفاصيل هي أسباب للوصول إلى هذا الهدف. وكما تَوافق فكر أفلاطون وروحه مع كثير من الشرائع السماوية التي ستأتي، فإنّه في النقطة الأهمّ من هذه الشرائع قد اتّفق معها ووصل بروحه إلى ما وصلت إليه، عندما جعل هدف الإنسانية الجوهري، أو ما يجب أن يكون هدفًا لها"المعرفة". ولهذا اختار دولة لا يجوز فيها للحكام ومن يدافعون عنها أن يتمتّعوا بأيّ ملكية لئلا ينشغلوا عن الهدف الأسمى بالأهداف الدنيوية، وخاصة جمع المال، الذي كان ومازال سببًا لكل بلاءات الأمم، وحروبها الظالمة، بل كان سببًا رئيسًا لكلِّ ظلم واضطهاد بين أفراد الأمّة الواحدة، فكان هدف أفلاطون موافقًا لجوهر كلّ دين. والذي لخّصه القرآن بقول الله: { وما خلقت الجنَّ والإنس إلاَّ ليعبدون } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت