فهرس الكتاب
وقد قال ابن عبّاس في تفسيره"ليعبدون""ليعرفون"وهذا المعنى يؤيده ويفسّره قول الله { إنّما يخشى الله من عباده العلماء } (فاطر/28) . وبما أنّه لا بدّ من العلم إذا أردنا أن نبني دولة تعرف الله، لكي تخافه وتعمل بشريعته. وبما أنّ ما لا يتحقّق إلاّ بواجب يصبح واجبًا. فإنّ من المعروف أنّ انشغال الناس بجمع المال يعطّل عليهم أبواب العلم ويقودهم إلى الجهل، ولهذا فإنّه في دولة الإيمان لابدّ من إيجاد طريقة لوقف ركض الناس وراء المال، وتضييعهم للعلم، ولابدّ من الوقوف في وجه الرأسمالية التي تسعى لخلق مجتمعات هدفها الاستهلاك والترف بدلًا من المعرفة التي تصبح في هذه المجتمعات وسيلة للتجارة والربح. ولابدّ من إزاحة كلّ الأسباب التي تؤدّي لارتقاء الإنسان ومعرفة نفسه وربه. وهذا لا يمكن أن يحدث في مجتمع يتسابق على الثراء، ويعاني أغلب أفراده من الحرمان. لهذا لابدّ في الدولة الصالحة من وقف هذا السباق وراء المال، الذي يضرّ بالعقول والأرواح. ولابدّ من نظام يجعل المعرفة هدفًا والسباق في ساحاتها غاية الغايات. وإذا كانت مثل هذه الدولة لم تتحقّق في زمن أفلاطون ولا في زماننا، ووقفت دول الاشتراكية في تعارض مع الإيمان، ممّا أدّى لانحرافها عندما تأسّست على منطق المصلحة، لا المعرفة، والإلحاد لا الإيمان، فإن هذا يجب أن لا يمنعنا من الحلم مرّة أخرى بدولة عادلة تجعل المعرفة هدفًا، والإيمان جوهرًا، وتوزيع الثروة بالعدل أسلوبًا وسببًا ومقدّمة لتفرّغ الأمّة للعلم النافع والمعرفة الصالحة. وإذا قسنا أعمال أفلاطون الفكرية بالنوايا لكي نحكم عليه، فإننا لا شك سنجد بأن كلّ أعماله مكرّسة لبناء مجتمع صالح أساسه الإيمان بالله، وهدفه المعرفة، وميزانه العدل، وفي زمن لا توجد فيه شريعة مقررة.