فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 598

فالطبيعة كأم أولى لها تأثيرها في الأرحام التي تتغذى منها، الأمهات والآباء الأرضيات والسماويات، الثمار واللحوم، الحرارة والبرودة، الشمس والهواء والماء والتراب وما ينتج عنهم جميعًا وصولًا إلى الرحم الذي سيمر به كل مخلوق، سيؤثرون في إعادة تركيب البذرة، فإما أن تصل كاملة أو ناقصة وإما لا تصل مطلقًا إلى الحياة. ولكن الطبيعة لا تستطيع أن تضيف إلى البذرة ما لا وجود له في الآباء، الأصول، ولا أن تلغي ما فيها، وما يطرأ من أمراض هو حالات خاصة لا تصلح للقياس. إن ما نتوصل إليه من ملاحظتنا لكل المخلوقات هو أن كل مخلوق يحمل صفات نوعه الثابتة التي لا تتغير؛ فبرامج حياة النبات والحيوان ستتكرر في كل نوع من الولادة حتى الموت دون أي تغيير، مما يبرهن بشكل قاطع أن كل بذرة تحمل في أعماقها قَدَرها، وأن الطبيعة سواء كانت ترابًا وماء أو رحمًا لا تساهم إلا في إعطاء الطاقة ـ الغذاء ـ للبذرة لكي تسير بخطى مقررة إلى الحياة، وتحويل ما هو بالقوة في داخلها إلى صورة مشهودة بالفعل. إنه الباطن الذي سيفيض بحقائقه، بتلقيه حساء الحياة المناسب. بل إن العجيب والأعجب أن بذور النبات المتنوعة رغم أنها تتلقى غذاء واحدًا وتعيش متجاورة فإن ثمارها تختلف في الطعم والرائحة والشكل، ولا تخطئ أي نبتة بإنتاج ثمرة واحدة مغايرة في طعمها لبقية الثمار. إن نظام عمل هذه الأجهزة الدقيقة التي تأخذ الحلو أو الحامض من التراب وتحدد لون وشكل الثمار دون أي خطأ ولو بالصدفة، أمور تثير دهشة أي متأمل. فإذا كان هذا حال النبات والحيوان فهل سيختلف تكوين الإنسان عن كل هذه المخلوقات، وهل سيكون برنامجه المعرفي خارج كيانه؟. لنطرح السؤال كيف تقدمت العلوم الإنسانية؟ ولنطرح السؤال المقابل، لماذا لم يكتشف الناس الأوائل ما اكتشفه الإنسان المعاصر إذا كان كل عقل إنساني يحمل كل أسرار العلوم ما عرف منه وما سيعرف؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت