فهرس الكتاب
3 ـ إن ترقي الإنسان إلى إدراك عالم الروح باليقظة سيبدأ حكمًا بالسماع. وهو سماع إلهامي.
ودليله صدق الخبر وصحته إن كان خبرًا. أما الإلهام في أمور العقيدة فلابد من قياسه على الشريعة لأن الشريعة ختمت، ولم يبق للأولياء غير الفهم والتأويل بما يوافقها بإلهام من الله.
ومع ذلك فإن قراءتنا لتجربة الرسول - صلى الله عليه وسلم - الروحية تكشف لنا بأنها كانت في ازدياد، مما يعني أنها لم تكن في بداياتها، كما كان لها من العمق المعرفي في مراحلها المتأخرة. ففي البداية خاف الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ظهور جبريل - عليه السلام - ، وعاد إلى السيدة خديجة قائلًا زملوني. ومرت عليه فترة من القلق بعد ذلك أحس خلالها بأنه لا معنى لحياة الإنسان، ولا قيمة لها، إذا كان سيقضيها في السعي وراء الطعام والشراب كبقية المخلوقات. وكانت البشارة التي حملها جبريل إليه قد بعثت فيه الأمل بالوصول إلى معنى وجود الإنسان رغم خوفه من المفاجأة. ولكن الوحي انقطع، وطال اشتياقه إليه، وازداد شكه فيما رآه. لقد"فتر الوحي فترة حتى حزن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغنا حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل. فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك" (6) . لقد أصبح أنسه بالله، فإذا غاب ذلك الأنس فما قيمة الحياة؟ لقد جاء الأمر بعد ذلك وزال القلق بنزول جبريل بسورة المدثر يا أيها المدَّثرُ. قم فأَنذرْ. وربَّكَ فكبِّر. وثيابَكَ فطهّر.