فهرس الكتاب
والرُجزَ فاهجر (المدثر/ 1، 5) لقد ظهر المعنى لوجود الإنسان وبدأت المهمة الشاقة الطيبة، ليس لأنها تبشر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالنصر الذي يطمح إليه القادة عادة، فما كان قد وعده الله بشيء، ولكن لأن الأمر الإلهي يكشف عن الصلة بين الخالق والمخلوق، عن الغائية الكونية، عن المعنى. وهل هناك أجمل وأعظم من هذا الاكتشاف الذي يدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته، ورؤيتها موصولة بالحقيقة المطلقة والمدهشة؟. لقد بدأ الكفاح، بل التفاني في هذا الكفاح، والرغبة في حمل الرسالة إلى الناس. الشوق لرؤية الإيمان يعمر النفوس القاحلة، والقلوب المريضة بحب بهرجة الحياة. كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرغب في هداية الناس بسرعة لإنقاذهم من الضلال. وكانت قريش في أول أمرها تريد أن تعرف حقيقة الأمر ببطء شديد. فأرسلت النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار اليهود في المدينة ليسألوهم عن حقيقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . فقال لهم الأحبار الذين قابلوهم"سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل فروا فيه رأيكم. سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم، فإنه قد كان لهم حديث عجب. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه. وسلوه عن الروح ما هي؟. فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي" (7) . ولما عاد الرسولان ومعهما أسئلة الأحبار، أرسل زعماء قريش بالأسئلة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - . ولما كان لا علم له بالأجوبة، فقد طلب منهم مهلة إلى الغد لإجابتهم. ولابد أنه ذهب يطلب الإجابة من الله حرصًا على هدايتهم. بل إنه كان يتوق إلى هذه الإجابة بسرعة. وانتظر في اليوم الثاني والثالث إلى أن مضى خمسة عشر يومًا، وازداد لغط زعماء قريش وعامتهم، وقلق الرسول - صلى الله عليه وسلم - ازداد، والوحي لا يأتي، وجبريل لا يظهر.