فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 598

ثم فجأة بعد هذه الأيام العصيبة جاء جبريل ومعه الجواب. كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في سيرته قد قال لرسل قريش حين سألوه[أخبركم بما سألتم عنه غدًا، ولم يستثن ـ لم يقل إن شاء الله ـ فانصرفوا عنه. فمكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ فيما يذكرون ـ خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبريل، حتى أوجف أهل مكة، وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة ليلة، قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه. وحتى أحزن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة. ثم جاءه جبريل من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف، فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه، من أمر الفتية والرجل الطواف والروح" (8) . وقيل إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال لجبريل حين أتاه [لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنًا، فقال له جبريل:"

وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا] (9) . لماذا انقطع الوحي في تلك الأيام الحرجة. لقد كان على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعلم أن الوحي لا ينزل إلا بأمر الله. وهذا ما سنتعلمه نحن حين تنفتح لنا نافذة على عالم الروح، إذ أننا سنكون قد أعددنا محطتنا الروحية للاستقبال، أما الإرسال فيظل بيد الله، إذ أنه لا فائدة في الإلحاح. إنه الرسول القدوة الذي ستكون في كل لحظة من لحظات حياته دروسًا نتعلمها، حتى يكون في معاناته مواساة لنا فيما نعانيه. وحتى لا نظن بأن تقربنا إلى الله يجب أن يمنع عنا ظلم الناس أو سوء ظنهم، أو الإساءة إلينا في أقدس ما نملك. وهل يفوز الفائزون إلا بعد الامتحان، وهل نسمي العظماء عظماء إلا لأنهم نجحوا في العبور فوق الأمور العظام؟. فكيف سنعرف مكانة الرسل وحقيقتهم، وبماذا سيتميزون إذا لم يتعرضوا للامتحان في حياتهم وأموالهم وأخلاقهم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت